مقالات رأي

أمهات بذوق خاص

إن تساءلت عن أعظم مهمة في الحياة وأشرفها لما غابت عنك الإجابة طويلا ، فهي الأمومة قلب ينبض شريانه ببسمة طفل وسلامته في صغره وصلاح منبته ونجاحه في كبره ، كنت احسبها بنفس اللون ونفس الطعم عند جميع الأمهات تقريبا إلى أن قابلتها واقتربت من أمومتها التي كانت بذوق خاص .
جمعتني بها الظروف، فدنوت منها أراقبها وهي تمارس أمومتها بشكل ملفت للنظر، تنهمك طيلة ساعات النهار لا تأخذ قسطا من الراحة إلا أثناء نومها المنقطع ليلا، حالها حال جميع الأمهات. لكن يوجد شيء شدني إليها ، لديها ابن يعاني من مشكلة جعلته يتميز عن باقي أقرانه ،لم اتجرا على سؤالها بداية خوفا على مشاعرها من أن تجرح فالكثيرات يتحسسن ويتكتمن تجاه أمور كهذه. ذات مرة طال الكلام بيننا ونحن نتجاذب أطراف الحديث فحدثتني قائلة : كم هو صعب أن تعترفي بينك وبين نفسك بحقيقة أن طفلك يعاني من مشكلة ما ،خصوصا عندما تكون في قدراته الذهنية ،فهنا يجب عليك أن تتقبلي حقيقة ابنك المختلف عن إخوته وأصحابه ، أن تتكيفي مع هذا الواقع الجديد ، أن ترضي بفكرة الابتلاء أن تتسلحي بالصبر كل هذا تعلمته من محنتي .
نعم انه “التوحد” الذي اذهب عني وعن الكثير من الأمهات النوم . دربي نفسك أيتها الأم على أن تكوني جندي يخوض معركة وانك ستحققين الفوز بإذن الله .قاومي بكل ما أوتيت من قوة، اجعليه مشروع تخرجك في رسالة الماجستير أو الدكتورا واقرئي عنه الكثير والكثير ، عليك أيتها الأم أن تستفيقي من وقع الصدمة تجبري دموعك على التوقف رغم أنها لن تطع لكي أمرا ،عليك كل ليلة أن تغمضي عينيك وتحاولي النوم دون التفكير ولو لمرة في مستقبل ابنك الذي يعاني من التوحد ،أن تكوني أنت الأمل .
انتظري لا تتعجبي من كلامي فانا كنت مثلك يومها وبعد أن يذهب عنك الورع وتتقبلي حقيقة مرض طفلك حينها فقط ستصبحين مثلي اليوم . كانت هذه رسالتها لكل من تعاني مثلها .
للمرة الأولى أدرك أن لهاته المرأة أمومة بنكهة وذوق خاص ،فأم الطفل المتوحد تتعرض لضغوطات نفسية وعصبية جد صعبة فالكل ينظر إليها على أنها المقصرة في حق ابنها ،فهي لا ترحم نفسها وتعاملها دائما كمذنبة ، أراها تجري من ورائه تلاحقه وتحيط به وكأنها ظله تلاصق جسمه الصغير تخاف عليه من الأخر وتخاف الأخر عليه .
كثيرة الاعتذار تلك الأم ، كلما فعل ابنها شيئا لم يستحسنه الأخر، تسارع لتبرر تصرفاته بكلمات لطيفة تصاحبها ابتسامة خجولة تختزل بداخلها ألف معنى لألم ينخر قلبها . إذا تحدثت عنه لإحدى صديقاتها أو لذلك السائل عن حالته تخذلها دموعها فتجبرها على الصمت فتبكي هي وتبكي من حولها .
تخاف عليه من المستقبل الذي تراه كثير العتمة ، تشرد اغلب الأوقات وان سألتها تمتلئ الدموع في عينيها وتجيبك “لا شيئ بالتحديد “، تجدها شاحبة الوجه ،كثيرة القلق لا احد يقف معها ليشد عضدها، وحدها من تواجه المرض وكذلك المجتمع الذي لا يساندك سوى بتوجيه إصبع الاتهام في أي ظرف يعترض حياتك .
أراها دائمة التوسل، لتلك المعلمة ليرق قلبها وتعامله معاملة تليق بحالته الصحية، فتتفهم سلوكه وتعمل على تهذيبه لا أن تصرخ عليه مرارا فتزيد من الطين بلة . هو ليس “مجنون “أو”معتوه ” كلمات تظل ترددها دون أن تمل أو تكل ،أمومتها تأبى الاستسلام أو حتى الرضوخ ،ينال منها التعب دون أن ينقص من عزيمتها أو يسلبها روح المقاتل التي تستمد قوتها منه .
“علمي ابنك وابنتك سيدتي أن زميلهم لا يختلف عنهم هو ليس معاق ولا حتى عائق في صفهم هو حالة وفقط ، تحتاج منا أن نقف بجانبه أن ندعمه أن نحاول فهمه لا تجعلوه سخرية أرجوك سيدتي ابنك يعتدي عليه بالضرب .” هذا ما قالته تلك الأم لمجموعة من الأمهات لترفع من مستوى وعيهم فتكسب طرفا جديدا يساندها في معركتها.
جعلتني هاته الحالة اقترب من تلك الأمهات التي تعاني في صمت توقفت عند حجم معاناتهم ادهشني صبرهم. وجدتهم يقاومون وحدهم دون سند ، هي من تتحمل مسؤولية ذلك الابن لا غيرها ،فتعمل على تعليمه ونظافته وتهذيب سلوكه ،تقوم بدور الشرطي فتراقب تصرفاته ليل نهار،فهي محور تلك الدائرة التي تكون علاقته بمحيطه بدءا بإخوته في البيت مرورا بالجيران وأبنائهم لتكتمل بمدرسته وطاقمها ،هي بوصلته في عالمه الذي بالكاد يفقهه . تساءلت كم مرة ستصمد تلك الأم وهي تلهث وراء ابنها ،كم مرة ستطلب الاعتذار وكم مرة ستصمد، لتتوقف فتأخذ نفسها وتواصل طريقها من جديد ، كم مرة ستفلت منها أعصابها لأنها إنسانة قبل أن تكون أم، ولكل منا درجة تحمل ،أم أن أمومتها ستهزم طبيعتها وتكسر تلك القاعدة فتتفوق الأم بقلبها عن الإنسانة بطبيعتها .
سألتها ذات يوم مما تخافين على ابنك ؟فردت بحسرة تخنق صوتها فزادته حزنا : أخاف عليه من مجتمع ما زال يجهل عن مرضه الكثير ،مجتمع لا يعي ولا يعرف عنه سوى القليل القليل ،انفجرت بالبكاء ضممتها إلى صدري فأحسست بقلبها يرتعش خوفا ويعتصر ألما، فسكتت عن كلام وما زالت أمومتها تروي قصة كفاحها في صمت .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: