مقالات رأي

أموات على قيد الحياة

                 زهــــــــﻮﺭ ﺑــــﻼ‌ﺩﻱ ﻣﺎتت ﺣﺰﻧﺎ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﺿﺎﻉ ﻣﻨﺎ ﻭﺃﻧﻬﺎﺭﻩ جفت ﺣﻴﻦ ﺣﻠﻖ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻓﻮﻕ ﺭﺅﻭﺳﻨﺎ ﻭ مدينتي ﺍﺧتفت ﻣﻌﺎﻟﻤﻬﺎ تحت ﺍﻟﺮﻛﺎﻡ ، ﺧــــﺮﺝ ﻋــﻤﺮ ﻳﺮﺗﻞ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﻣﺜﻞ ﻛﻞ ﻳــــﻮﻡ ﻳﻌﻴﺪﻫﺎ ﻣﺮﺍﺭﺍ ﻭﺗﻜﺮﺍﺭﺍ حفظها ﻭﺣﻔﻆ ﻃــﺮﻳـﻘﻪ .. يطوف حول الحطام  ﻳﺴﺘﻌﻴﺪ الذكريات  ﻓﻴﻤﺎ ﻛﺎﻥ ﻫﻨﺎ ﻭﺭﺣﻞ … ﻫﻨﺎ ﻛـــﺎﻥ ﺩﻛﺎﻥ ﺣﺎﺗﻢ ﻳﺠﻠﺲ ﺃﻣﺎﻣـــــﻪ ﻃﻮﺍﻝ ﺍﻟﻨﻬﺎﺭ ﻳﺮﺍﻗﺐ ﺍﻟﻘﺎﺩﻡ ﻭﺍﻟﺮﺍﺣﻞ ﺩﻭﻥ ﻣﻠﻞ .. ﻭﻫﻨﺎ ﻛﺎﻥ ﻳﺠﻠﺲ ﺍﻟﺸﻴﺦ ﺳﺎﻟﻢ ﻳﺘﺤﺪﺙ ﻋــﻦ ﺃﻭلا‌ﺩﻩ ﻭ للآ‌ﻥ ﻳﺠﻠﺲ ﻳﺒﻜﻲ ﻋﻠﻴﻬﻢ ﺑﻌﺪ ﻣﺎ ﺭﺣــﻠﻮﺍ.  ﺳﺎﺑــﻘﺎ ﻛــﺎﻥ ﺃﻭلا‌ﺩﻩ يدا واحدة و قلبا واحدا ، ﻭﺣﻴﻦ ﻫﺒﺖ ريـاح الفتنة ﺗﻨﺎﺛﺮﺕ ﺃﻭﺭﺍﻗﻬﻢ ﻭﺗﻌﺎﺩﺕ ﻗﻠﻮﺑـــﻬﻢ ﻭﺻﺎﺭت ﺩﻣــــﺎؤهـــ م

ماءا، ﻣﺸﻰ ﻋﻤﺮ ﻗﻠﻴﻼ‌ ﻟﻴﻘﻒ ﺃﻣﺎﻡ ﻣﻨﺒﺮ الإ‌ﻣﺎﻡ .. الأ‌ﺛﺮ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪ ﺍﻟﺬﻱ ﺑﻘﻲ ﻣـــﻦ ﺍﻟﻤﺴﺠﺪ القديم .. تـــــذكر عندما كــان يركض حين يهتف المؤذن هيا إلى الفلاح .. واليوم لا أثر للفلاح .. ﺑﺨﻄﻮﺍﺕ ﻗﻠﻴﻠﺔ ﻛﺎﻥ ﻳﺠﻠﺲ ﻟﻴﻨﺤﻨﻲ ﻭﻳﺤﻤﻞ ﻭﺭﻗﺔ ﻛﺘﺐ ﻋﻠﻴﻬﺎ

” ﻟﻢ ﻳﺒﻘﻰ ﺳﻮﻯ ﺍﻟﻤﻮﺕ ” ابتسم  ﺑﺄﺳﻰ ﻭﻫﻤﺲ ﺑﺨﻔﻮﺕ ﻭﻫــﻮ ﻳﻠﺘﻔﺖ ﻳﻤﻴﻨﺎ ﻭﻳﺴﺎﺭﺍ ” أين أنت يــــا سارق الأرواح ﻭﻣـﻦ ﺃﻱ ﺟﻬــﺔ ﺳﺘﻘﻊ ﻋـــــﻠﻰ ﻗﻠﺒﻲ ﻭ تسلب ﺭﻭﺣــــــﻲ .. ﺃﻳــــﻦ أنت ﻭﺃﻳــﻦ ﺗﺨﺘﺒﺊ ” ” ﻟـــــﻢ ﻳﻌﺪ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻳﺨﺘﺒﺊ ﻳــــﺎ ﻭﻟــﺪﻱالتفت ﻋﻤﺮ ﻟﻠﺼـــﻮﺕ ﺍﻟﻤﺮﺗﺠﻒ ﺧﻠﻔـﻪ ﻟﻴﺮﻯ ﺷﻴﺨﺎ ﻋﺠـﻮﺯﺍ ﻳﺘﻜﺄ ﻋــﻠـﻰ ﻋﺼﺎﻩ ﻭﻫـــﻮ ﻳﻨﻈﺮ ﺃﻣﺎﻣـــﻪ ﻣﺒﺘﺴﻤﺎ ، استدار ﻋﻤﺮ ﺑـــﺮﺃﺳﻪ ﻟﻴﻨﻈﺮ ﺣﻴﺚ ﻳﻨﻈــﺮ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ﻟﻜﻦ ﻻ‌ﺷﻲء ﻓﻘﻂ حطام متناثر .. ﺗﺎﺑﻊ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ﺑﺼﻮﺕ ﺃﺟﺶ” ﺍﻟﻤﻮﺕ يـــــا ﻭﻟﺪﻱ ﻟـــﻢ ﻳﻌﺪ يخجل يمشي ﺑﻴﻨﻨﺎ ﻟﻴـــﺄﺧـــــﺬ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﻭﺍﻟﻜﺒﻴﺮ ﻗﺒﻞ ﺍﻟﺼﻐﻴﺮ .. ﻭﺭﺑﻤﺎ ﻳﺄﺧﺬﻫﻤﺎ ﻣﻌﺎ ” ﺻﻤﺖ ﻗﻠﻴﻼ‌ ﺛﻢ ﺗﺎﺑﻊ ﻭﻫﻮ ﻳﻠﻤﺲ ﺃﺛﺮ ﺟﺪﺍﺭ ” ﻫﻨﺎ ﻳــﺎ ﻭﻟﺪﻱ ﻛﻨﺖ ﺍﺳﻨﺪ ﻇﻬﺮﻱ ﻭﻛﻨﺖ ﺃﻧﺎﻡ ﻋﻠﻰ ﻫـــﺬﻩ الأﺭﺽ ” ” ﻭﻣـــﺎﺫﺍ حدث ” ﺳﺄﻝ ﻋﻤﺮ، ﺗﻨﻬﺪ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ﻗﺎئلا‌ ” ﺟـــﺎءنا  ﺍلغــدر ﻟﻴﻼ‌ ﺣﻴﻦ ﻛﺎﻧﺖ ﺟﻔﻮﻧﻨﺎ ﻧﺎﺋﻤﺔ .. ﻫﻨﺎﻙ ﻣــﻦ ﻓﺘﺢ ﺟﻔﻮﻧﻪ ﻟﻴﺮﻯ ﻣـــﺎﺫﺍ ﻓﻌﻞ ﺑﻨﺎ المــوت ﻭﻫـــﻨﺎﻙ ﻣﻦ ﺑﻘﻴﺖ ﺟﻔﻮﻧــﻪ ﻧﺎﺋﻤﺔ حتى رحـــــل دون أن يدري أنه وقت الرحيل .. ﻓﻘﻂ ﺃﻧﺎ ﻣﻦ ﺑﻘﻴﺖ ﻷ‌ﺷﻬﺪ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻓﻌﻠﻪ ﺑﻨﺎ طغاة هذا الزمن .

         ﺳﺮﺕ رجفة مؤلمة ﺑﺠﺴﺪ ﻋﻤﺮ ﻭﻫﻮ يرى ﻋﺠﻮﺯا ﺍﺧﺘﻔﺖ ﻣﻼ‌ﻣﺢ ﻭﺟﻬﻪ ﻳﺒﻜﻲ ﻋﻠﻰ ﻣﺎ ﻓﻘﺪﻩ .. اقترب ﻣﻨﻪ ﺑﻬــدوء وﻫﻮ يربت ﻋﻠﻰ ﻛﺘﻔﻪ ﻗﺎﺋﻼ‌ ” ﺇﻧﻬﺎ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﻻ‌ ﺗﺮﺣﻢ ﺃﺣﺪﺍ ﻳﺎ ﺟﺪﻱ. ﺻﺒﺮﺍ ﻓﺮﺑﻤﺎ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﻳﻮﻣﺎ ﺎﺟﻠﺲ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ﻭﻫــــﻮ ﻳﻘﻮﻝ :

” ﻭﺭﺑﻤﺎ جاء ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻣﺮﺓ ﺃﺧﺮﻯ ﻟﻴﺄﺧﺬ ﻣﺎ ﺗﺮﻛﻪ ﺧﻠﻔﻪ … ﺳﺄﺟﻠﺲ ﻫﻨﺎ ﻷ‌ﻧﺘﻈﺮﻩ” .

         جلس ﻋﻤﺮ ﺣﻴﺚ ﺟﻠس ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ وقال “ﻳﻘﺎﻝ ﺃﻥ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺳﺘﻨﺘﻬﻲ ﻗﺮﻳﺒﺎﺿﺤﻚ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﺗﻐﻴﺮﺕ ﺿﺤﻜﺎﺗﻪ ﺇﻟﻰ ﻧﻮﺑﺎﺕ ﺳﻌﺎﻝ ﺛﻢ ﺻﻤﺖ ﻗﻠﻴﻼ‌ ﻟﻴﻘﻮﻝ ﺑﻌﺪﻫﺎ ” ﻟﻦ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺃﺑﺪﺍ ﻣﺎ ﺩﻣﻨﺎ ﺷﻬﺪﻧﺎ ﻋﻠﻴﻬﺎ .. ﺭبــما ﻳﺘﻮﻗﻒ ﺍﻟــــﺮﺻــــﺎﺹ، ﻭﺭﺑﻤﺎ ﻳﺘﻮﻗﻒ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻋﻦ ﺍﻟﺤﺼﺎﺩ .. ﻟﻜﻦ ﺍﻟﺤﺮﺏ ﺗﺒﻘﻰ ﺣﻴﺔ ﻓﻲ ﺫﺍﻛﺮﺓ ﻛﻞ ﻣﻦ ﺷﻬﺪﻫﺎ ﻳـــﺎ ﻭﻟــﺪﻱ ” ﺃﻧﺖ ﻻ‌ ﺗﻌﻠﻢ ﺟﺮﺡ الحرب .. جرح أشبه بطعنة غادرة من سكين مسمومةﺑﻘﻲ ﻋﻤﺮ يحدق ﻓﻴﻪ ﺑﻌﻴﻨﻴﻦ ﻣﺘﺴﻌﺘﻴﻦ ﻭﻗﻠﺒﻪ ﻳﻬﺪﺭ ﻓــﻲ ﺻﺪﺭﻩ ﻟﻤﺎ ﺳﻤﻌﻪ ﻟﻜﻨﻪ ﻟﻢ ﻳﻨﻄﻖ ﺑﺤﺮﻑ ﺑﻞ ﺑﻘﻲ ﺟﺎﻟﺴﺎ ﺻﺎﻣﺘﺎ و ﺟﺴﺪﻩ ﻛﺠﺒﻞ ﻳﻐﻠﻔﻪ الجليد ، ابتسم ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ﻧﺼﻒ ابتسامة ﺛﻢ ﻗﺎﻝ ” ﻻ‌ ﺗﺠﺰﻉ ﻓﺎﻟﻘﺎﺩﻡ ﺃﺳﻮﺃ .. أنا ﻣﺪﺭﻙ لذلك ﻭ ﺭﺑﻤﺎ ﻣـــﻦ ﺗﺮﻛﺘﻬﻢ ﺧﻠﻔﻚ  ﺣﻴﻦ ﺗﻌـــﻮﺩ ﻻ‌ ﺗﺠدهم ، ﺗﺮﺍﻛﻤﺖ ﺍﻟﻜﻠﻤﺎﺕ ﻓـﻲ ﻋﻘﻞ ﻋﻤﺮ ﻟﻢ ﻳﻌﺪ ﻳﺤﺘﻤﻞ ﺃﻛﺜﺮ ﺭﻏﻢ ﺃﻥ ﻛﻞ ﻣﺎ ﻗﺎﻟﻪ ﺍﻟﻌﺠﻮﺯ ﻣﺎ ﻫﻮ ﺇلا ﺍﻟﺤﻘﻴﻘﺔ إلا‌ ﺃﻧﻪ ﻻ‌ يريد أن يصدق ﺫﻟﻚ .. مازال ﻳﺘﺠﺮﺃ ﻋﻠﻰ الأمل ﻓﺮﺑﻤﺎ ﺳﺘﺰﻫﺮ ﺑﻼده ﻣﻦ جديد ﻭﻳﺨﺘﻔﻲ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﺮﻛﺎﻡ .

           بيته ﻛﻜﻞ ﺭﻛﻦ ﻓﻲ المدينة .. مليء  ﺑﺎلأسى ﻭالذكريات ﺍﻟﻤﻮﺟﻌﺔ .. استند ﻋــﻤﺮ ﺇﻟـــﻰ ﺍﻟﺤﺎﺋﻂ ﻟﻴﺤﺪﻕ ﻓﻲ والده  الذي اشتعل ﺭﺃﺳﻪ ﺷﻴﺒﺎ وانحنى ظهره ﻣﻦ ﺛﻘﻞ ﺍﻟﻬﻤﻮﻡ .. ﻫـــﺎﻫــﻮ الآن منكب ﻋﻠﻰ ﻛﺘﺎﺏ ﻳﻘﺮﺃﻩ ﻣﻨﺬ ﺃﻳـــﺎﻡ ﻻ‌ ﻳﻔﺎﺭﻗﻪ إلا ﻭﻗﺖ نومه … تنهد ﻋﻤﺮ ﺑﺄﺳﻰ ﻭﺟﻠﺲ ﺇﻟﻰ جانبه ﻟﻴﻬﻤﺲ بهدوء ” ﺃﺑﻲ ﺃﻟﻢ ﺗﻨﺘﻬﻲ ﺑﻌﺪﻇﻞ ﻭﺍﻟﺪﻩ ﻳﺤﺪﻕ ﻓﻲ ﺣﺮﻭﻑ ﻛﺘﺎﺑﻪ ﺩﻭﻥ ﻛﻠﻤﺔ فوقف ﻋﻤﺮ ﻟﻴﻘﻮﻝ بيأس ” ﻻ‌ ﺃﻇﻦ ﺃﻧﻲ ﺳﺄﺟﺪ فائدة ﻣﻦ ﺗﻜﺮﺍﺭ ﻧﻔﺲ الأمر ﻭﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺮﺓ . ﺭﺑﻤﺎ ﻟﻦ ﻧﺘﺤﺪﺙ ﺇﻟــﻰ الأبد ”

         ﻏﺎﺩﺭ ﻋﻤﺮ ﻟﻴﺼﻔﻖ ﺍﻟﺒﺎﺏ ﺧﻠﻔﻪ ﺑﻐﻀﺐ .. ﻻ‌ ﻓﺎﺋﺪﺓ ﻣﻦ ﺍﻟﻤﺤﺎﻭﻟﺔ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ .. ﻭﺍﻟﺪﻩ ﺍﻋﺘﺰﻝ ﺍﻟﻜﻼ‌ﻡ ﻭﺻﻢ أذنيه ﻋــﻤﺎ يحدث ﺣﻮﻟﻪ ﻛﻞ ﻫﺬﺍ ﻛﺎﻥ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﺍﻧﺘﻬﻰ الأمر ﺑﺰﻭﺟﺘﻪ ﺗﺤﺖ ﺍﻟﺮﻛﺎﻡ ﻭﺑﺼﻐﻴﺮﺗﻪ ﻟﺠﻴﻦ ﺗﺴﺘﻨﺠﺪ ﺇﻟﻰ ﺃﻥ ﻋﺎﻧﻘﺖ ﺭﻭﺣﻬﺎ ﺍﻟﺴماء. ﺣﻴﺎﺓ ﺑﻼ‌ ﺣﻴﺎﺓ ﻭﺟﺴﺪ ﺑﺮﻭﺡ ﺟﺎﻣﺪﺓ ﺗﻨﺘﻈﺮ ﺍﻟﻤﻮﺕ ﻓـــﻲ ﻛــﻞ ﺟــــزء ﻣﻦ ﺍﻟﻠﺤﻈﺔ ﻭﺑﺄﻱ ﻃﺮﻳﻘﺔ ﺳﻴﺄﺗﻲ ﻭﻣﻬﻤﺎ ﻛﺎﻧﺖ ﻃﺮﻳﻘﻪ ﻓﺈﻧﻪ ﺳﻴﺄﺗﻲ ﻭ الأجساد ﻫﻨﺎ ﻣﺴﺘﻌﺪﺓ ﻟﺘﻠﻚ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﻓﻬﻲ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ ﺍﻟﻮﺣﻴﺪﺓ ﻟﻬﺬﻩ ﺍﻟﻨﻬﺎﻳﺔ .

            ﻣﺜﻞ ﻛﻞ ﻳﻮﻡ ﻳﺨﺮﺝ ﻋﻤﺮ ﻟﻴﻤﺸﻲ ﻓﻲ ﻃﺮﻳﻘﻪ ﻟﻴﺲ ﻟﺸيء ﻳﻔﻌﻠﻪ ﻓﻘﻂ ﻷ‌ﻥ ﺑﻼ‌ﺩﻩ ﻻ‌ ﺣﻴﺎﺓ ﻓﻴﻬﺎ ﻭﺗﻜﺮﺍﺭ ﻧﻔﺲ الأمر ﻭﻛﻞ ﻳﻮﻡ أمر ﻻ‌ ﻣﻔﺮ ﻣﻨﻪ .. استدار ﻟﻴﺘﻮﻗﻒ فجأة ﻭﻓﻜﺮ ﻟﻠﺤﻈﺔ ﺃﻟﻢ ﻳﻜﻦ ﻫـــﺬﺍ ﺷـــﺎﺭﻉ ﺍﻟﺴﻼ‌ﻡ ﺳﺎﺑـــﻘﺎ .. ﺩﺭﺏ ﻣﻨﻴﺮ بجدران بيضاء ﻭﺳﺎﺣﺔ واسعة … ﻭالآن! ﻻ‌ شيء ﻇﻼ‌ﻡ ﺣﺎﻟﻚ ﻭﺭﻳﺎﺡ ﺗﺤﻄﻢ ﺍﻟﻌﻈﺎﻡ .. ﺗﻨﻔﺲ يبطئ ﻭﺗﻘﺪﻡ ﻟﻴﺨﺘﻔﻲ ﻭﺳﻂ ﺍﻟﻈﻼ‌ﻡ … ﻟﺘﻨﺪﻟﻊ ﺍﻟﻨﻴﺮﺍﻥ ﺣﻮﻟﻪ ﻭﻳﺨﺮﺝ ﻣﻨﻬﺎ أولئك ﺍﻟﻤﺠﺮﻣﻮﻥ .. ﺻــــﺮﺥ ﻋﻤﺮ ﻟﻴﻀﻊ ﺫﺭﺍﻋــــﻪ ﻋﻠﻰ ﻋﻴﻨﻴﻪ ﻳﺤﺠﺐ ﺍﻟﺨـــﻮﻑ ﻋﻨﻬﻤﺎ .. ﻟﻜﻦ يد ما مدت ﺇﻟﻴﻪ ﻟﻴﻔﺘﺢ ﻋﻴﻨﻴﻪ يبطئ .. ﻛﺮﻳﻢ ! صديق طفولته ﻳﺒﺘﺴﻢ ﻛﻌﺎﺩﺗﻪ ﻭﻳﺨﺒﺮﻩ ﻗﺎﺋﻼ‌ ” ﺗـــﻌﺎﻝ ﻣﻌﻲ ﻓﻬﻨﺎﻙ ﻣﻜﺎﻥ ﺃﻋﺮﻑ ﺃﻥ ﺷﺮﻫﻢ ﻟﻦ ﻳﺼﻞ ﺇﻟﻴﻚ ﻓﻴﻪ” .

 ارتجف ﺻﻮﺕ ﻋﻤﺮ ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻗـــــﺎﻝ ” ﻭﺃﻳﻦ ﻫﺬﺍ ﺍﻟﻤﻜﺎﻥاتسعت ابتسامة ﻛﺮﻳﻢ ﻟﻜﻦ ﺳــﺮﻋـــﺎﻥ ﻣﺎ اختفت ﻋﻨﺪﻣﺎ ﻣﺪﺕ ﻳﺪ ﺃﺧﺮﻯ ﻟﺘﺴﺤﺐ ﻋﻤﺮ فاستدار ﻟﻴﺮﻯ ﺟﻤﺎﻝ ﻳﻘﻒ ﺑﻮﺟﻪ ﻋﺒﻮﺱ يحدق ﻓﻲ ﻛﺮﻳﻢ ﺑﻌﻴﻨﻴﻦ ﻣﻠﻴئتين ﺑﺎﻟﺸﺮ ﻭﺑﺼﻮﺕ ﺧﺸﻦ  قـال  ” ﻻ‌ ﺗﺬﻫﺐ ﻳﺎ ﻋﻤﺮ ﻓﺄﻧﺖ ﻻ‌ ﺗﻌﺮﻑ ﺃﻱ ﺷﺮ ﻳﺤﻤﻠﻮﻧﻪ ﻟﻨﺎﺻﺮﺥ ﻋﻤﺮ ﻟﻴﺴﺤﺐ ﻳﺪﻩ ﻗﺎﺋﻼ‌ ” ﺗﻮﻗﻔﺎ ” ﺛﻢ ﺇﺳﺘﺪﺍﺭ ﻧﺤﻮ ﻛﺮﻳﻢ ﻟﻴﻘﻮﻝ ” ﻣﺘﻰ عدت؟ ﺃﻟﻢ ﺗﻜﻦ ﺧﺎﺭﺝ ﺍﻟﻮﻃﻦ ﻟﻠﺪﺭﺍﺳﺔ؟ ﺃﺟـــﺎﺑﻪ ﻛﺮﻳﻢ ﻗﺎئــــلا :” ﺟئت ﻣـﻦ ﺃﺟــﻞ ﺗﺮﺍﺏ الوطن ،جئت لأكون في صف الحماة .. أبطال الشمالضحك جمال واقترب ليسحب سكينه يرفعها في وجه كريم ” ماذا تظن نفسك فاعله .. نحن حماة الوطن .. نحب أصحاب الجنوب .. سنحرر تــــرابنا مــن ظلمكم و نغسل أنهار الــوطن مــــن دماءكم الفاسدة” .     

             صـــرخ كريم ليسحب سكينه هو الآخر ” أنتم أصحاب الجنوب أصحاب الفتنة ودينكم المزعوم مـا هــــو إلا راية لنشر أفكار غُذيتموها مـــن أعـــــداء الوطنوقــف عمر ليدفعهما عــــن بعضهما وهــتف بغضب ” منذ متــى صـــار أحــدكما يقف فــي وجــــه الآخر .. لا أصحاب الشمال ولا أصحاب الجنوب .. نحن قلب واحد  ” .

              في جزء قليل من اللحظة دُفع عمر ليسقط أرضا .. رفع رأسه ليرى أن كل شيء أمامه اختفى .. ظل اســـود اقترب منه جعل أطرافه ترتجف . صرخ و إسيقظ بأنفاس متسارعة ..كابوس آخر .. أولا يكفيه الكابوس الـذي يعيشه فــي عــــــز النهار .. ليس كابوسه ســــوى الحقيقة .. فكريم عـــاد ليحمل السلاح و جـمال انضم لصفوف الجهاد .. وعمر بــقـي شاردا ما بين هذا وذاك … هـــزة فــي الأرض جعلته يركض ليفتح بـــاب منزلـــه .. ضــاقت أنفاسه عندما رأى السماء تلمع بــأضــواء حمراء… مطر من نار ” ،همس والده فيما استدار عمر نـحوه .. اقترب مــنه وتابع ” ادخــــل يــا ولـــدي وأغمــض عينيك فربمــا نـــرحل فــــي الصباح ” ” سأذهب للمساعدة ” أجـــابــه عمر ، هـــز والده رأسه قائــلا ” فات الأوان ، الله لهم يـا ولدي .. والله للوطن. ”  أغلق عمر الباب و استدار ليعود إلـــى غرفته .. هناك ليستند إلى الجدار.. ينتظر الموت

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: