مقالات رأي

أُحبُّكَ و أعتذرْ

أحببتْ أن أُجيبْ عن تساؤلاتي بتساؤلات جديدة، لماذا يا ترى نخافُ من الحُّبْ؟

وُلدنا في بيئة خالية من المشاعر البريئة، نُعبِّر عن مكنُوناتنا الطبيعية بصمتْ، لستُ أدري لما ساهمنا في إطلاق سراح وحش الجفافْ العاطفي، نعم قد يستغرب البعض من هذا، كونه عاش العكس تماماً و تنفس كلَّ الحُب من المحيطين به، ممَّن فتح عينيه عليهم وهم يتبادلون معاني الحُّب الصادقة قولاً و فعلاً

يا أنت المُفعمْ بالحُّبْ لا تضحك وتتهمنا بنقص مناعة الحُّبْ بحياتنا، لأنّه ليْس بفعل جُرمْ معنوي فقط، إنّما هو مرض أبشع من السرطان، هو حُّمى تنخر بالجانب النابضْ عندما نصل لسنٍ نُّتهم فيه بالطيش والمراهقة.

نعمْ فتحت عيْنيك على أب يذكِّرُك بحبه لك صباحاً مساءً، و أمِّ تمسح على رأسك بقُبل كلّها دفئ و حنان تحمله كمؤونة تقيك من جوع العواطف في مُستقبلٍ ما، ذاك بمثابة غداء يُنمِّي الحُّبْ كفضيلة يتزيَّن بها الإنسان، بدل أن تكون كلمة يخجل من لفظها لأنَّها تُحمِّله أوزاراً لا يُطيقها  ولا يستوعبها بالمرّة.

أحبُّك … لكنِّي أعتذر

لستُ أقصد هنا الحب بين فتاةٍ و شاب التقيا بالجامعة، أو بنزهة صيفية رُفقة العائلة، فكانت الصُدفة التي جمعت بين محبوبين في اللامكان ، نعم أقولها لأنَّه مجرد لحظات لا أدري إن كانت ستستمر و تصل إلى الحُّب المقدس الصادق بين زوجين تربطهما المودة، أم ستبقى مجرد ذكرى تصفعهما لترجعهما إلى زمن الندم الأوَّل الذي أضاع منهما مشاعر تستحق أن تُسجن بقفص الحياة الزوجية الذهبي، الذي نُسعد بدخوله برضا واطمئنان.

أعتذر لمشاعري تلك التي أهدرتها في غفلة منّي، أعتذر للحُّب الذي ورطته معي بطيشي،أعتذر لأنِّي فهمت تلك العواطف النبيلة بأنّها صُدفة فموعد لا حاجة منه إلاَّ مضيعة الوقت، وجني للدموع، أغلبُ الخارجين من مأزق الماضي المُزمن يتحاورون مع أنفسهم بذات الأسف.

قد يكون خطأ، نندم ونتراجع عنه، لكن يا تُرى هل سيُسامحنا الحُّب على حجم المجازر التي ارتكبناها باسمه، ستفهم أُّيُّها القارئ عندما تتصفح مختلف المصادر التي تُطلعك على جرائم الشرف التي ارتكبت في حق البشرية، أب يقتل شاب لأنه أحبَّ الارتباط بابنته وربما رآهما يتبادلان النظرات و يتجولان يداً بيد، أنا هنا لن أتكلم باسم الدين أو القانون، لأننّي لست متفقهة بديني إلى درجة الإفتاء في حقهما، لكن كيْف أعطيت الحق لنفسك بسفكِ دمه أيُّها الأب، أو أيُّها الأخ الذي تفعل ذلك مع صديقتك وتأتي لمحاسبة أُختك، حاسب نفسك أوَّلاً .

تأتي البنت لوالدتها قائلة يا أمٍّي هناك شاب من الجامعة يُريد التقدم وطلب يدي للزواج، أرجوك أخبري والدي متى يستطيع ملاقاة والده، ترد الأم ولكن يا ابنتي أنتِ مخطوبة لابن عمك و على اسمه من أول يوم خرجتِ فيه إلى الدنيا، نعم هي حقيقة لا تزال بالقرن 21، يا لها من كارثة مجتمعيه يتحمل ثقلها الأبناء ممّن يكبرون ببيئة تُترجم الحُّب باسم العُرف، و هنا يأتي رفض الفتاة لابن عمِّها كرد فعل على حرمانها من اتخاذ قرار الارتباط، و يأتي دور الأب في تحقيق النصر بجمع شمل قبيلته على إراقة الدماء، و يُزوّج ابنته التي قد ترضخ خوْفاً من قتلها أو قد تنتحر، أو يقتلها والدها في لحظة غضبه الأولى، لتجده يبكي فراق مدللته الصغيرة عند أول لحظة حنين مُغلفة بالندم عندما يكون بحجرته مُنعزلاً، فالرجل بعُرفهم عيْبٌ أن يبكي أو يتراجع عن قرار مدوّن بقانونهم المقدس من سنون مضتْ.

نعم لن أكمل فالباقي معروف، حيث سيطرق بابهم الانتقام ويكون ابنهم ثاني ضحية باسم الشرف، هؤلاء لا يهمهم ما يدعو إليه الدين، و ما تدعو إليه الإنسانية، إن كانت ابنتك على خطأ حدِّثها بحب و لا تعاقبها بسفكِ الدماء لتُبرهن لها عن مدى حبك لها، فردة فعلك تلك هي السبب الأول الذي وضع الحُب بمشنقة الأعراف، نُحِّبك يا حب لكننا نعتذر لأنّنا ما أحببناك يوما لأننا جهلناك بكُلّ ما أوتينا من إصرار، لأنّنا نسينا بأننا كتلة حب مغروسة بإتقان، لأننا جئنا بكلِّ أنانية وتسببنا بتصحرها و انجرافها إلى حيث لا نريد أن ندري.

متى الرحيل؟ لا نعلم أبداً، لذا لا تتأخر و أخبر من تُحب بذلك

أحبُّ الاختلاف بيْني و بيْن سُّكان قلبي

أحسُّهم جزءًا لا يتجزأ من ذاتي

لكنْ…

لما رحل هؤُلاء المُنفردين بمزاجهم

تركونا بمُنتصف الوجعْ

نُلملم بقايا الاشتياقْ

هل ننتظر بأن يتركنا من نحب سواء بموته أو بهروبه بعيدا عن غفلتنا، أخبروا أمهاتكم و أبائكم  إخوانكم، أصدقائكم، زوجاتكم و أزواجكم، عائلاتكم، أولادكم بمدى حبكم لهم قبل أن تدّق ساعة الرحيل، أخبروني ماذا سينفعكم البكاء بقُرب قبورهم هل سيُعيدهم لثانية أو دقيقة، لا لن يفعل، أرجوكم لا تُعذبوا الحُّب أكثر، فقد تحمَّل منكم ما لا يُطاق، قتلتم باسمه، جرحتم و شرَّدتم باسمه، لكن ويا للأسف لم تتعلموا معنى العطاء باسمه، لأن العطاء دون مُقابل حُّب خالي من الشُبهات، لأنّ الحُّب يُعطينا كُلّ معانيه يُسلمنا نفسه و يضحي بكل معنى فيه لأجل أن يذوب فينا و نكون بمثابة حُّب متنقل لا تقف أمامه حواجز،لماذا نتجاهله؟ وعند أوّل محطة اشتياق نبكي رحيله، لا تبكوا بعد اليوم، لأنَّ الحبْ لم ولن يرحل فهو ثابت بمعانيه السرمدية، الراحلون هم نحن بإرادتنا عن تلك المعاني، لأننا أبينا إلا أن نتجرد منه و نسلخ قلوبنا منه، لنرتدي  ثوبا لا وصف له باسم تنكري عنونَّاه بالحب، وحاشاك يا حُّب نعتذر منك قبل الرحيل، سامحنا يا حُّب فأنت الساكن الوحيد الذي يأبى الرحيل عنَّا رغم الألم الذي تسببنا به لك و للإنسانية جمعاء باسمك الذي لم نفهم معناه، وخُضنا في تأويله بما لا يُستحب.

“عُذراً يا حُب… فأنا أحببت بما يجب و تجاهلتُ كيْف أُحب باسم الحبْ”.

ليندة طرودي

كاتبة ومدونة... باحثة دكتوراه علوم سياسية، مُهتمة بالأدب ... ”القراءة تصنع إنساناً كاملاً، والمشورة تصنع إنساناً مستعداً، والكتابة تصنع إنساناً دقيقاً.“ ― فرانسيس بيكون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: