مقالات رأي

إنتصارٌ كهذا وننتهي

جاء في تاريخ اليونان القديم، أنه كانت هناك مملكة تسمى “أبيروس”، حكمها ملك يدعى “بيروس”، ويعتبره المؤرخون واحدًا من كبار القادة العسكريين في تلك العصور، إلا أنه لم يكن يتمتع برؤي سياسية بعيدة، ولم يكن قادرًا على وضع استراتجيات طويلة المدى، كان يهوى الحروب والمعارك، وامتشاق السلاح وخوض المَهَالِك، مدفوعًا بشعور العظمة وحب السيطرة.
أقام “بيروس” عام 297 ق.م مملكة “أبيروس” في اليونان، واستطاع أن يجعلها من الدول المهمة، ووسَّعها وضم إليها مساحات من مقدونيا ومناطق تساليا ومن الجزر الأيونية، وكان يقود جيشه من حرب إلى حرب، ومن قتال إلى قتال.
في عام 280 ق.م استنجدت به دولة “أترتنوم” (ترنتو الحالية) في جنوب ايطاليا للوقوف إلى جانبها ضد جيش روما، فاستجاب لطلبها ونزل بقوات كبيرة، وهزم الرومان هزيمة نكراء ولكن جيشه تكبد خسائر فادحات لكثرة قتلى وجرحى جيشه…، ويقال أنه بعد إفاقته من نشوة الظفر وسكرة الانتصار، ومشاهدته فداحة الخسائر صاح ينعى جيشه “انتصار كهذا وننتهي، لأننا سنبقى دون جيش”.
لقد أصبح انتصار “بيروس” وصيحته “انتصار كهذا وننتهي” مثلًا لكل انتصار يحمل في طياته الهزيمة، الانتصار الذي يتم احرازه بأثمان باهظات وخسائر فادحات، انتصارات لا يستطيع المنتصر الإستفادة منها والبناء عليها للمراحل القادمات.
صيحة “انتصار كهذا وننتهي” تحمل في طياتها حكمةً بالغة الأهمية، شديدة العمق، نحتاجها كثير نحن المسلمين، خصوصا نحن الجزائريين، فنحن كثيرًا ما يعجبنا وهم البطولات واستعراض العضلات والعنتريات الفارغات، يُعجبنا المتشدقون بالكلمات والخطب الرنانات، تُعجبنا الحروب الوهمية والمعارك الدونكيشوتية……ومن هذا الباب كثيرًا ما يدخل منه أعداؤونا، وينفخون فينا، ويحركون أطماعنا، فنتفش وننتفخ ونعتقد أننا قوة لا تُقهر، وأن العالم مرعوبٌ منَّا، ونُقدم على أعمال فيها نهايتنا…..فيأكلون الشوك بأفواهنا…….وما صدَّام منَّا ببعيد.
فهلَّا إعتبرنا، وأمعنَّا العقل وتدبرنا، فيما فعلنا وتركنا، وفيما نحن فاعلون وعليه مقدمون، وهل نحن للمستقبل مُخطِطون؟ ولعواقب الأمور مُدرِكون؟ كي لا نصيح بعهدها “انتصار كهذا وننتهي”

moussabenferdi

مدون مهتم بمجالات الفكر والحضارة والتطوير الإداري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: