مقالات رأي

اختصرها مالك في معادلة

>> إن مشكلة كل شعب هي في جوهرها مشكلة حضارته و لا يمكن لشعب أن يفهم أو يحل مشكلته ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية و ما لم يتعمق في فهم العوامل التي تبني الحضارات أو تهدمها . <<

بهذه العبارة البسيطة في كلماتها ، العميقة في معناها ،يفتتح مالك بن نبي _ فيلسوف الحضارة _ كتابه الشهير : شروط النهضة ، و ما الأفكار التي جاء بها في هذا الكتاب إلا قبس من جموع ما توصل إليه مفكرنا بعد جهد سنوات كرسها في دراسة مشكلات الحضارة .
فما هي الحضارة ؟

1. مفهوم الحضارة
الحضارة كما عرفها مالك: جوهر ينتظم جميع أشيائها و أفكارها و روحها و مظاهرها و قطب يتجه نحو تاريخ الإنسانية و هي ليست أجزاء مبعثرة ملفقة و لا مظاهر خلابة . و بمعنى آخر فإنها مجموعة العلاقات بين المجال الحيوي حيث ينشأ و يتقوى هيكلها و بين المجال الفكري حيث تولد و تنمو روحها ، مقياسها العام يتمثل في المنتجات التي تلدها بنفسها و ليست تلك التي كومتها و جمعتها من أقوام آخرين ، فتكديس المنتجات يحقق على طول الزمن ” حالة حضارة ” و لكنه يستحيل أن يؤدي إلى بناء حضارة حقيقية .

2. معادلة الحضارة
من الصيغة التالية : ناتج حضاري = إنسان + تراب + وقت ، استنتج مالك معادلة الحضارة : حضارة = إنسان + تراب + وقت
ثلاثة أعمدة ذات علاقة وظيفية : الإنسان ، التراب _ و يقصد به المادة _ و الوقت .. إذا ما اجتمعت معا و استغلت أحسن استغلال فإنها ستؤدي حتما إلى بناء الحضارة .
غير أنه في كثير من الحالات تجتمع العناصر الثلاثة و لكن النتيجة تكون مختلفة ، فما السبب ؟
السبب يكمن في أن المعادلة لا تتحقق إلا بتوفر” مركب الحضارة ” ، أي : العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة مع بعضها . هذا العامل أسماه مالك بـ : ” الفكرة الدينية ” ، لذلك فإن الوسيلة إلى الحضارة متوافرة مادامت هناك فكرة دينية تؤلف بين العناصر الثلاثة التي سبق ذكرها : الإنسان و التراب و الوقت ، لتركب منها كتلة تسمى في التاريخ : حضارة .

3. مشكلات الحضارة
من المعادلة السابقة ، استنتج مالك بن نبي مشكلات الحضارة التي تتلخص في ثلاث مشكلات أولية : مشكلة الإنسان ، مشكلة التراب و مشكلة الوقت . لذلك فإن أي محاولة لبناء حضارة حقيقية يجب أن تدور في فلك واحد ألا وهو : العمل على حل المشكلات الثلاث .
و حل تلك المشكلات ليس بالشيء المستحيل و إنما يتلخص _ حسب رؤية مفكرنا _ في توجيه الفرد في ثلاث نواحي : توجيه الثقافة لحل مشكلة الإنسان ، توجيه العمل لحل مشكلة الوقت و توجيه رأس المال لحل مشكلة التراب . و التوجيه هو تجنب الإسراف في الجهد و الوقت ، أي إدارة ملايين السواعد و العقول في أحسن الظروف الزمنية و الإنتاجية لتحريك مجرى التاريخ نحو الهدف المنشود .

هذا مالك بن نبي قد عرف مشكلة العصر و شرحها بيد خبير ثم قدم لنا الحلول على أطباق من ذهب ، إنه كشف لنا عن الداء و الدواء لنحقق شرعة السماء . فماذا نحن منتظرون ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: