مقالات رأي

الأزرقْ وحصاد اللايكاتْ ”فقط كُن تافهاً”

جعل العالم الأزرق البعض كدُمى الماريونيت يُحرِّكُها المشاهير بمنشورات لا معنى لها، أي باختصار كُن تافِهاً لتحصِد اللايكات، ويُنظر إليك بإعجاب لا مثيل له، وكما يقول المثل الجزائري “الحديث قياس”.

لا يُمكن تعميم ذلك على الجميع، فهُناك صفحات هادفة تعمل على إيصال المفيد ولها عدد مُتابعين راقيين حتى تعليقاتهم تدُّل على وعي، كما نجد بعض الصفحات الجيِّدة التي لم تجد دعماً بعد، لكن ما يُحيِّرني هو حجم التفاهة التي وصل إليْها الكثيرون، إذ لاقت خربشاتُهم دعماً صحيح كل شخص حُرُّ في اختياراته، لكننّي حشرتُ أنفي في الموضوع لأنَّ قلبي آلمني لِما آل إليه الذوق العام.
كُن تافِهاً… قُم بنشر أي شيء تتصادف به حتى وإن كان فردة حذائِك وسترى حجم الإعجاب الذي ينهالُ عليْك فقط لأنّك معروفٌ إعلامياً، حسناً إن كُنت مشهوراً لهذا الحد لماذا لا تسّتغل ذلك في نفع هؤلاء المُترقِّبين لك صباحاً ومساءً، اجعل من شُهرتِك مخرجاً من التقليد.
بات الفيسبوك اليوم مرضاً أخطر من السرطان، فالوقت الذي نُمضيه في الافتراض أكثر ممَّا نقضيه في الواقع، حينما تفتح حِسابك تجد العجب العُجاب، تجد صفحات الطبخ، الموضة التكنولوجيا، الإعلام الهادف، والإعلام التسويقي، وإعلام المشاهير، تجد حتى صفحات البكاء والنحيب من العجائز والعرائس، الصفحات الكوميدية التي تُحاول رسم البسمة، أتُرى هذا العالم سيطر؟ وبات وجهاً من أوجه الاستحمار_الاستدمار الجديد؟.
تجد المُخترعين مشغولين بقراءة الكُتب ومحاولة قضاء وقت أكبر مع عائلاتهم، يتنزَّهون يضحكون ويبكون، يأكلون ينامون ويزورون الفيسبوك لمدة خمس أو عشر دقائق في اليوْم، أما نحن فنتيجة أزمة السكن أخذنا لنا المزيد من الغُرف الزرقاء، وبدأنا نبني أحلامنا فيها تدريجياً.
فوق ما أخذ من وقتِنا، أخذ كذلك من عقلنا، كان ليكون مسرحاً للتجديد والإبداع، لكننا جعلنا منه كارثة ومكاناً للصراع، حتى أننّي بزيارتي لبعض الصفحات أجد شبابنا العربي يتجادل ويسُّب بعضه البعض، هُناك حروب افتراضية كلامية عجيبة، هُناك حسد وغيرة عميقة، وحراسة لشؤون الناس، وكأنّ البعض لهم من الوقت الكثير حتى تحوّلوا إلى أبراج مُراقبة لغيرهم.
ألا نجد في ذلك تفاهة بالغة، تضييع للوقت والجهد وحتى للشباب الذي سيمضي لا محال، العالم بالخارج جميل يكفيه أنَّ به هواء حقيقي، بشر غير مقنَّعين، هو رجل نعم رجل هي امرأة نعم امرأة، أمَّا في الأزرق: “قد تتكلم معه على أساس أنه فلانة، لكنّه في الحقيقة فلان، أراد أن يعبث ويُمضي الوقت فاختار اسم بنت بدل ولد، والعكس”.
“نحن بأمسِّ الحاجة لبعضنا البعض في الواقع، بحاجة أن نجلس مع أُسرنا على مائدة واحدة بحاجة أن نلتقي أصدقائنا ونمرح معاً، بحاجة أن نُحب بعضنا ونبي أوطاننا يداً بيد، بحاجة أن نهرب قليلاً من التفاهة وننتبه بأنَّ الوقت يمضي وشبابنا يمضي معه، ولا ندري إن كان لنا في الغد نفس”.

ليندة طرودي

كاتبة ومدونة... باحثة دكتوراه علوم سياسية، مُهتمة بالأدب ... ”القراءة تصنع إنساناً كاملاً، والمشورة تصنع إنساناً مستعداً، والكتابة تصنع إنساناً دقيقاً.“ ― فرانسيس بيكون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: