ثقافة

التدوين

مع التطور الذي حصل في الأعوام الأخيرة ومشاركة التكنلوجيا يومياتنا، تبدلت مفاهيم العالم السياسية والاقتصادية والثقافية، كما تبدلت رؤية الشعوب بعضهم لبعض وتطورت عملية التواصل بينهم، حولت العولمة العالم الكبير إلى قرية صغيرة لا تعترف بالحدود الجغرافية، أخبار سكانها معروفة عند الكل

على عكس الماضي القريب، كان حق الكلام وإبداء الرأي مقتصرا على جهات معينة فقط، التلفزيون، الإذاعة، الصحف والمجلات، ومنطقيا هذه المنصات الإعلامية ليس في مقدورها أن تنقل جميع آراء الشعوب، هذا إذ لم نقل إنها كانت منحازة أو تخدم جهات ومصالح معينة

من الإيجابيات التي قدمتها لنا التكنولوجيا، وكانت لنا الفرصة بأننا عايشنها هو ظهور وانتشار منصات إعلامية عديدة على شبكة الأنترنت، تهتم بنقل المعلومة وتحليلها، أساسها في خلق مساحة تهتم بنشر أفكار الناس، سواء كانت المادة المقدمة كتابية أو مرئية

على هذا الأساس يمكننا أن نقسم الأعمال ونعطي التسميات، فنقول عن المساحة أو المنصة الإعلامية بأنها مدونة، ونقول على الكاتب فيها بأنه مدون، أما فيما يخص العمل المقدم من أجل مشاركته فهو تدوينة

التدوين هو وسيلة نشر للعامة، لذلك لا يمكننا أن نقول بأن أي شيء مكتوب هو تدوينة بمفهومها المعاصر، مثل اليوميات التي نكتبها ونحتفظ بها لأنفسنا

ببساطة يمكننا أن نقول عن التدوين بأنه تقييد مجموعة من الأفكار ومشاركتها مع الآخرين

التدوين ليس مصطلحا جديدا عن العالم، إذ أن العصور السابقة كانت تعرفه لكن بمفهوم آخر مبسط عنا، حيث أنه وجد في كثير من الأمم والحضارات السابقة، مثل رسومات الفراعنة ومخططاتهم على جدران الأهرامات، أو تحويل القرآن الكريم من صيغته المسموعة إلى صيغته المكتوبة، هذه الأمثلة لا يمكننا أن نقول عنها بأنها تدوين بما يحمله اللفظ من معنى جديد لأنه لا يستوفي الشروط المعمول بها حاليا

اليوم وبعد مرور أكثر من خمس وعشرين عاما من ظهور شبكة الأنترنت العالمية، نرى بأن التدوين في العالم مر بمرحلة صعبة جدا وهي مرحلة ظهور مواقع التواصل الاجتماعي وبروزها، اذ أن جل اهتمام الشباب تحول صوبها، وهذا ما دفع العديد من المدونين إلى تحويل منصتهم من المدونات إلى هذه المواقع، سواء فيسبوك، توتير، أو أنستغرام، وبذلك التخلي عن نشر المدونات الطويلة التي تحمل بداخلها نقاشا، تفكيرا، دراسة وحلول وتعويضها بمجموعة عبارات قصيرة جدا تحمل القليل فقط بين طياتها

زيادة على التدوين الكتابي أصبحنا نرى اليوم بأن التدوين المرئي انتشر بكثرة واكتسب في فترة قصيرة قاعدة جماهيرية كبيرة، هذا بسبب امتلاك كل شخص أسلوبا وطريقة معينة لطرح أفكاره، لذلك لا يمكننا إرغام الكل على أن تكون طرقتهم الوحيدة للتدوين هي الكتابة، كل وأسلوبه، كل وطريقة طرحه

على غيره من الأمور، للتدوين إيجابيات وسلبيات، من أفضل الأشخاص الذين بينوا ذلك وتكلموا في الجوهر الحقيقي لها هو الكاتب الفلسطيني همام يحيى في تدوينته على مدونات الجزيرة كاتبا فيها ” ينطوي التدوين على خطورة وفرصة في الوقت نفسه، خطورة الانسحاب السلبيّ إلى حالة من اللاخِطابات، وفرصة تكوين خطابات بديلة ومتنوّعة، تتنامى إلى درجة إجبار الخطابات المهيمنة على أن تخوض حوارا معها على أرضيّة مفتوحة، وغير محددة القواعد سلفا”

ياسين بختي

طالب ليسانس تخصص إعلام آلي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: