مقالات رأي

التضامن الإسلامي

علمني الراحل بومدين بعد مؤتمر باندونغ بعدم الانحياز، و أن ألعب دورا إيجابيا نشطا و أن أحترم ميثاق العلاقات الإنسانية وأكون مواطنا صالحا و موهوبا ، و علمني أبي من حسن إسلام المرئ تركه ما لايعنيه، و سماع رأي الآخر و احترامه و عدم التدخل في شؤون الغير.
لكن علمني نبي الرحمة و نحن في هذا الشهر المبارك بعد قوله:
مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم: مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى “.
علمني أن أتعاطف مع أخي المسلم مهما كان عرقه ،نسبه ولونه و مهما كان انتمائه السياسي، في كلمة الحق، و أن أكون رحيما معه ، أخا له في وجه أعداء الأمة .
ومن المعلوم أنه لا يتم أمر العباد فيما بينهم , ولا تنتظم مصالحهم ، ولا تجتمع كلمتهم، ولا يهابهم عدوهم , إلا بالتضامن الإسلامي ، الذي حقيقته التعاون على البر والتقوى , والتكافل ، والتعاطف ، والتناصح , والتواصي بالحق , والصبر عليه , ولا شك أن هذا من أهم الواجبات الإسلامية , والفرائض اللازمة , وقد نصت الآيات القرآنية , والأحاديث النبوية , على أن التضامن الإسلامي بين المسلمين – أفراداً وجماعات , حكوماتٍ وشعوباً – من أهم المهمات , ومن الواجبات التي لا بد منها لصلاح الجميع , وإقامة دينهم وحل مشاكلهم , وتوحيد صفوفهم , وجمع كلمتهم ضد عدوهم المشترك.
ها أنا اليوم أخون شرف تعليمك لي يا بومدين و أعصيك يا أبي وأعلن خروجي عن ولي الأمر (إن كان موجودا) وأعلن دعمي وتضامني و انحيازي لطرف على حساب آخر .
الكل يعلم ماذا يدور في العالم في هذه الفترة من حروب و مآسي و تششت للدول العربية والإسلامية منها ، وانهيار لأنظمة مستبدة ظالمة كانت أو على حق، الكل يعلم خبايا أعداء الإسلام من مئات السنين بل من الوهلة الأولى من نشوء دين الحق دين الرحمة والتسامح .
العالم العربي اليوم لم يصبح مثل الذي عرفني به جدي لم يعد مثل ما درسته في المدارس و المعاهد بل أمسى غير معروف كرجل عائد من خيبات الحروب محملا بثقل الهزائم الكبرى و الخيانة .
نحن نعيش واقع مرا ، نعيش في تشتت، لنعترف أننا فشلنا في لم شملنا تحت غطاء التحالف الإسلامي، لنعترف أننا خدعنا أنفسنا وأنشأنا تحالفا إسلاميا بقيادة عدونا ، هذا العدو الذي يتربص بنا من عقود لدفننا أحياء،بل ندفن بعضنا البعض و نعلن حالات حصار نقاطع بعضنا البعض نرجم ونكفر جيراننا، فقهاء الأمة منهم رجال دين يشتمون إعلاميين، أصحاب مبادئ… هل هذه من شيم المسلمين الأوائل ؟ أم نحن بقايا السلف الصالح ؟
والأكثر شؤما أن نضع قوائم إرهابية تضم شخصيات بارزة لها وزنها في شتى المجالات يتخذ منها الشاب المسلم اليوم قدوة ليتعلم صحيح دينه ويتشبث في أرضه ويدافع عن شرفه و أرضه وأصالته.
ويا للعجب كل هذا يتم على يد أنظمة عربية تجمعها علاقات القرابة واللغة والدين والجوار قبل العلاقات السياسية والاقتصادية.
ما فائدة صومك و أنت تقاطع وتهول أخا مسلما لك في شهر الصيام والقيام ،ربما في الأمس كان جنبا إلى جنب معك في الصلاة و اليوم أنت تفعل عكس ما أوصاك به دينك.
نحن اليوم نصدر صورة سوداء قاتمة عن الإسلام و طبيعة المسلمين فيما بعضهم، نصدرها للغرب على طبق من فضة بأن شر الأعداء من الداخل، ماذا ستقول لكاثولوكي إن سألك أن دينكم لا يسمح بالتفرقة بين المسلمين و أن هذا الشيئ لم يوصي به نبيكم ، بالله ماهو ردكم ؟ الخروج عن الحاكم مثلا ؟
و إن أخبرتك بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ، ماهو جوابكم ؟
أليست هذه معصية للخالق؟
إن صلاح الأمة لا يقوم إلا بصلاح عبادها و تقهواها إلا بتقوى الله عزوجل وتضامننا كمسلمين ببعضنا البعض وأستدل بهذه الآية ومما ورد في التضامن الإسلامي قوله جل وعلا: (( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ )) هذه الآية الكريمة من أصرح الآيات في وجوب التضامن الإسلامي، الذي حقيقته ومعناه التعاون على البر والتقوى كما سلف بيان ذلك، وفيها تحذير المسلمين من التعاون على الإثم والعدوان؛ لما في ذلك من الفساد الكبير، والعواقب الوخيمة، والتعرض لغضب الله سبحانه، وتسليط الأعداء وتفريق الكلمة، واختلاف الصفوف، وحصول التنازع المفضي إلى الفشل والخذلان. نسأل الله العافية من ذلك..
إن الله سبحانه عز وجل وضح لنا أنه لا سبيل إلى النجاح والربح والعاقبة الحميدة والسلامة من أنواع الخسران إلا بالإيمان والعمل الصالح، والتواصي بالحق والصبر عليه
وعندما نخل نحن المسلمون بهذا الأمر يحصل بيننا من الشحناء والفرقة والاختلاف ما لا يخفى على أحد، ولا علاج لذلك ولا دواء له إلا بالرجوع إلى دين الله، والإعتصام به، والعمل به، وتحكيمه، والتحاكم إليه في كل ما شجر بينهم.
أكتب هذا الكلام وأنا لا أعرف إلى أين سوف تصل الأمور راجيا من المولى أن يجمع كلمة المسلمين على الهدى، وأن يفقههم في دينه، وأن يصلح ولاة أمرهم، ويهديهم جميعا صراطه المستقيم، وأن يمنحهم الصدق في التضامن بينهم، والتناصح والتعاون على الخير، وأن يعيذهم من التفرق والاختلاف، ومضلات الفتن، وأن يحفظهم من مكايد الأعداء، أنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
و اختتم كلماتي بأنَّ الإحسان إلى واحد إحسان إلى الجميع، والإساءة إلى واحد إساءة إلى الجميع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: