مقالات رأي

التيار المجتمعي والسياسي الرئيسي في الجزائر03 : أهدافه الاستراتيجية والسياق الاقليمي للمراجعات والتغيير

أهدافه الاستراتيجية والسياق الاقليمي للمراجعات والتغيير

من البداية يمكننا أن نجيب بنعم على التساؤل الذي يطرح حول ما إذا كان هذا التيار الرئيسي الذي نحن بصدد الحديث عنه يعبر فعلا عن تطلعات وقناعات القطاعات الواسعة من الشعب الجزائر؟ فهذا الأمر حسمه الواقع المعيش والسلوك السياسي الناضج للقطاعات الواسعة من الشعب لا سميا الشباب، فهذا الأخير ليس في ]حالة عزوف[ كما يروج الكثير (بما تفترضه هذه الحالة من سلبية وعدم اهتمام بالشأن العام ونقصان الوعي) إلا في حالة أقليلة قليلة منه، أما الأغلبية الشعبية الشبابية فهي في ]حالة رفض[ للمنظومة المسيطرة. أما حول الإضافة الجديدة لهذه السلسلة من المقالات فهي: ليس في تأكيد المؤكد، بل في تحديد ماذا بعد ذلك؟ أي ماذا بعد معرفة الجميع بخبر التيار الرئيسي ؟ وماذا بعد النجاحات المتتالية لهذا التيار في استراتيجيته “غير العازفة” بل “الرافضة لمنظومة التحكم”، من خلال التكتيك الأهم لها وهو “مقاطعة انتخابات النظام وديكوره شبه الديمقراطي” ؟

جهدنا ينصب إذا على توضح لماذا؟ وكيف؟ أن قيادات هذا التيار الرئيسي ترتقي اليوم إلى مرحلة جديدة تعتبر امتداد لتضحيات ونضالات الانسانية عموما، وأغلبية الشعب الجزائري خصوصا، عبر تاريخ طويل من الرفض للمنظومة المتحكمة أثناء الاحتلال القديم كما الاحتلال الجديد. فأهداف التحرير والتوعية والتغيير العميق لا تزال أولويات نضالية اشتباكيه لحد الساعة يسعى قادة التيار الرئيسي لتعميق وتوسيع التوعية بها والتمكين لها في الفكر والفعل، ومن ثم مأسستها لتستمر وترتقي عبر الأجيال الحالية والمستقبلية. ومن الحيوية بمكان (كما وضحناه في المقالين السابقين) التأكيد بأن الشباب الجزائري القائد لهذا التيار الرئيسي، كان ولا يزال يعمل بجد من أجل تجسيد التغيير العميق متعدد المستويات من خارج المنظومة القائمة، على مستوى الفكر والمجتمع والدولة. ولكن السؤال المطروح الآن هو: لماذا وجب التأكيد بأن المطلوب هو تغيير عميق ومتعدد المستويات ؟ والجواب يكمن في حقيقة أن هذا التيار الرئيسي يعتبر بأن القضية النضالية في الجزائر هي ليست فقط قضية انتقال نحو الديمقراطية ومحاربة فساد والخروج من اقتصاد الريع والمحروقات وثقافة الاتكال والانتهازية، بل هي بالإضافة لذلك وقبله قضية تصفية الاحتلال الجديد العابر للقارات والأوطان، والذي يعمل من خلال منظومة متغلغلة لعالم الأفكار والأشخاص والأشياء، تستخدم كل ما أتيح لها من الوسائل الثقيلة والخفيفة لإحكام الاحتكار والسيطرة متعددة المستويات، أي: احتكار السلطة على المستوى السياسي، والثروة على المستوى الاقتصادي والاعتبار على المستوى الثقافي.

ووعيا من التيار الرئيسي للتغيير في الجزائر بهذه المعطيات بات من الواضح أنه قرر أن يعلن عن نفسه شيئا فشيئا، ولكن ليس من خلال تنظيم هيكلي غير موجود وغير فعال، أو عن طريق شعارات رنانة غير قابلة للتجسيد، بل من خلال تقديم استنتاجاته وأهدافه (بالكتابة والفيديو) بحسب الحاجة. ولذلك كانت البداية بالإعلان عن التيار الرئيسي وملخص أهدافه الاستراتيجية وهي : التحرير والتوعية والتغيير العميق متعدد المستويات من خارج المنظومة القائمة.

أما الآن فجاء الوقت لتلخيص المستوى الثاني الخاص بالمنظومة العربية وملامح السياق الاقليمي، والذي يأخذه التيار الرئيسي بعين الاعتبار عند قيامه بالتقييم والمراجعات والتغيير: والحال أن المحلل للوضع الذي تعيشه المنطقة العربية في هذه المرحلة من تاريخها على مستوى الشعوب وأنظمة الحكم، بتسارع أحداثه وتداخلها وإمكانيات التأثير والتأثر بين مختلف ساحاتها، سيلاحظ بأن سمة التأزم هي الغالبة على المنطقة. خاصة وأن كل التيارات الفكرية الكبرى أخذت فرصتها في الحكم سواء كانوا من القوميين أو الليبراليين أو اليساريين أو الإسلاميين (سواء بالاستيلاء على الحكم في حالة السودان والصومال مثلا، أو بالمشاركة في السلطة التنفيذية مثل الكويت، لبنان، الجزائر ، الأردن، المغرب، تونس …)، و بالتالي فلا أحد يستطيع من اليوم فصاعد أن يخاطب الجماهير وكأنه لم يحكم وبأنه لا يزال ينتظر حصوله على فرصته. ولذلك بات من المهم جدا أن نحاول تلخيص أهم معالم ومنتجات المنظومة العربية في الفترة السابقة التي أمست تعرف باسم: “مرحلة الدولة القطرية”. مع الأخذ بنظر الاعتبار الأحداث التي حدثت بعد الموجة الأولى من حراك الشعوب العربية، وحملة الثورة المضادة التي رافقتها بما يدلل بوضوح على أن مكونات المجتمعات العربية قد تجاوزت الوسائط المتعارف عليها لتنظيم العلاقة بين المجتمع والدولة والطغمة المتحكمة.

ويمكن تلخيص العناصر العامة المحددة للواقع العربي والتي يجب استصحابها أثناء عملية التقييم والمراجعة والتغيير في مايلي:

أ) المناخ العام للمنطقة العربية: هناك شعور عام بالاضطراب والإحباط، إحساس بالألم والخيبة والسير نحو المجهول صار يخيم على المجتمعات العربية ونخبها. خاصة بالنسبة لعدد من الأجيال الممثلة للتيارات الفكرية الكبرى في المنطقة العربية من قوميين ولبراليين و يساريين وإسلاميين، وهذا الشعور يمكن رده لسببين هما :

أولا : سبب فرعي ناجم عن عدم قدرة هذه الأجيال على تحقيق أحلامها الكبرى في الوحدة والتقدم، مقارنة بحجم آمالهم وتوقعاتهم في مرحلة الخمسينات والستينات وحتى الثمانينيات من القرن الماضي.

ثانيا : سبب رئيسي أعمق يتعلق بما تؤشر عليه هذه الحالة (من الاحتباس والغليان والترقب و انسداد الأفاق على مختلف المستويات) من نهاية مرحلة وبداية مرحلة جديدة لم تتضح ملامحها بعد إذ أنها في حالة تشكل من خلال الحراك السياسي والاجتماعي للجماهير ولقوى التغيير في المنطقة من جهة، والثورات المضادة بقيادة الاحتلال الجديد ووكلاءه من بني جلدتنا من جهة أخرى.

ب) نشأت دول ريعية عملت على إعاقـة التحول الديمقراطي: إذا عرفنا الدولة الريعية المنتشرة في المنطقة العربية كما يذهب لذلك أهل التخصص بـأنها : مجموعة من الأجهزة التي تقتات من عائدات الخارج، بحيث تصدر فقط مواد خام أو تكتفي بتقديم بعض الخدمات الجيوستراتيجية للاحتلال الجديد العابر للأوطان، فالملاحظ بأنها كيانات تعيق تطور مجتمع مدني قادر على إعادة إنتاج نفسه، كمجتمع من المواطنين الأحرار الذين لديهم القدرة على التعاقد خارج إطار الدول. فاقتصاد مقسم بين الريع والجهوية و/أو القبلية لا ينتج مجتمعا مدنيا. فالدولة الريعية في المحصلة تنتج أجهزة تابعة لها متضخمة النفقات واقتصادا مجتمعيا صغيرا. ودولة كهذه توزع الامتيازات والمشاريع فقط على النخب التي تدور في فلكها وتؤدي طقوس الولاء، وعلى بعض أفراد الطبقات الوسطى والمثقفين، فلا يتكون تيار ثقافي نقدي مستقل. كما أن الاقتصاد الريعي يعمل على تحييد الطبقة البرجوازية على المستوى السياسي والاقتصادي، مع الوقت تحل محلها ” برجوازية طفيلية ” غير مبدعة، همها هو التودد لمراكز القوى داخل الدولة الريعية لكي توفر لها الحماية والرعاية.

ج) فشل ثلاثي على المستوى السياسي وبناء مؤسسات الدولة الخادمة للشعب:

– عدم تحقيق الأهداف الأساسية للأيديولوجيات الكبرى : فلم تنجح الأنظمة القائمة بنخبها من تحقيق دولة قطرية ديمقراطية متماسكة وقوية على أساس المواطنة، ولا دولة عربية على أساس القومية، ولا دولة شيوعية أممية تحكمها طبقة البروليتارية، ولاخلاقة إسلامية على أساس الانتماء الديني.

– وجود ثلاثة مشاريع إقليمية وغياب مشروع عربي: الأول تقوده الجمهورية الإسلامية الإيرانية والثاني تقوده الجمهورية التركية والثالث تقوده إسرائيل. يزداد نفوذهم وتمددهم يوما بعد يوم في الفراغ الإقليمي العربي، بسبب غياب المشروع المشترك واصطفاف الأنظمة الحاكمة والقوى الرسمية من النخب الفاعلة في الساحة من الموالاة والمعارضة لأحد المشاريع المذكورة، بدل محاولة التفكير والتمكين لمشروعها الخاص وفقا لأجندة مفكر فيها ومتوافق عليها، منحازة لمصالح الشعوب بعيدا عن منطق استخدام الدين والشعب أو منطق الثورات المضادة التابعة للاحتلال الجديد في المنطقة (لمعرفة تفاصيل أكثر عن هذه المشاريع الاقليمية الثلاثة يمكنكم الاطلاع على مقال : جيوستراتيجيا التناقس على المنطقة العربية في سياق الثورات المضادة ).

– شهدنا تفشي ظاهرة “خصخصة الدولة”: التي تعتبر أساسا حيزا عاما وجهازا في خدمة الجميع، بحيث أمست مقاليد القرار والحكم والنفوذ في مؤسسات الدولة على امتداد الساحة العربية يسيطر عليه تحالف ثلاثي يتكون من : أسر وطغم حاكمة/ وأجهزة أمنية تدعمها وتحميها/ ورجال أموال وبارونات متنفذة. فعمم ومُؤْسس الفساد، ورفع الشعب المشروعية عن الأنظمة المتحكمة في ظل انعدام تساوي الفرص والتوزيع العادل للثروة، ولم يتحقق التداول السلمي على السلطة من خلال انتخابات حرة، شفافة ونزيهة تمكن من يختاره الشعب بكل سيادة من ممارسة صلاحياته في إدارة السلطة ومحاسبته على حصيلته عبر الصندوق و/أو القضاء المستقل في حالة الفساد. الأمر الذي أدى إلى انتشار حالة عامة من الرفض المجسد بالمقاطعة للانتخابات المختلفة، لعدم ثقة الجماهير وخاصة الشباب منهم بأولئك الذين ينظمونها، بل ولا حتى في كثير ممن يشاركون في ديكورها من أحزاب وشخصيات.

بعد هذا العرض للمستوى الثاني المتعلق بالمنطقة العربية وملامح السياق الاقليمي وقبله للمستوى الأول المتعلق بالسياق العالمي وملامح المنظومة المعولمة (في المقال السابق)، بقي لنا أن نتناول بالتحليل والبيان المستوى الثالث والمتعلق بالسياق الجزائري والمنظومة الوطنية والذي سيكون موضوع المقال القادم ان شاء الله.

ramzisaoudi

باحث في مجال الاجتماع السياسي والابستيمولوجيا / مدون مهتم باصلاح الفكر والدولة والمجتمع في الفضاء العربي الإسلامي / القناة : www.youtube.com/channel/UCthIhYPN_7vNddpk4nterkg

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: