مقالات رأي

التيار المجتمعي والسياسي الرئيسي في الجزائر04 : الحالة الجزائرية والسياق الوطني للمراجعات والتغيير

بعد أن نضجت المرحلة الأولى من التبلور الميداني للتيار الرئيسي للتغيير، وبما أننا كجيل من الشباب الجزائري نشكل القلب النابض والعقل المفكر والسواعد المبادرة لهذا التيار (الممثل لقناعات وطموحات القطاعات الواسعة من الشعب الجزائري الأبي)، وعلى ضوء معطيات المرحلة التاريخية التي نمر بها، عقدنا العزم أن نسهم في تدشين مسار الاعلان والتعبير المواطني الممنهج في الفضاء العام، وباستخدام الجملة السياسية المثقفة عن هذا التيار الأصيل للتغيير في الجزائر. وذلك بالمشاركة النوعية من موقعنا الفكري والحركي في عملية الارتقاء بأداءه إلى أطوار جديدة. وللقيام بذلك بدأنا عبر كتاباتنا السابقة في تحديد مدخل أولي يكثف الاستنتاجات ويذكر بالأهداف الاستراتيجية الأساسية لهذا التيار الرئيسي والتي يمكن تلخيصها في الخماسية التالية:
1- ضرورة قيادة الشباب للتغيير العميق (هو عميق لأنه يشتغل بالذهنيات والنفسيات والسلوكيات الجمعية) مع الحرص على الدراسة والاستفادة من التجارب السابقة والحالية “بإخفاقاتها ونجاحاتها إن وجدت فقادة التيار أفقهم منفتح على كل مفيد”
2- ومتعدد المستويات (التغيير المطلوب يتعلق بالفكر وبالمجتمع وبالدولة، على المستوى الثقافي والاقتصادي والسسيوسياسي)
3- تغيير من خارج المنظومة القائمة (بتشكيلاتها وهياكلها المشاركة في اطالة عمر النظام من الموالاة والمعارضة)
4- من خلال تيار ديمقراطي سياسيا وأصيل حضاريا يضع المصداقية والتناسق والفاعلية على رأس منظومته القيمية (في التنظير والممارسة)، اثناء الاشتباك الفكري-الاجتماعي والتفكيك الثقافي-الرمزي والتطهير الاقتصادي-الاداري والبناء التنموي-السياسي للجزائر الرائدة، بما يقطع على مستوى الفكر والخطاب والفعل مع التناقض المبدئي والسياسي المسيطر على النخب المطبعة مع الاحتلال الجديد ووكلاءه على اختلاف تموقعاتهم واديولوجياتهم وخطاباتهم، من الموالاة الرسمية كما من المعارضة الرسمية، فهما عمليا وجهان لعملة واحدة تحقق: اعادة انتاج المنظومة الديكورية الاحتكارية الفاقدة للمشروعية الشعبية، باستخدام الفساد المعمم والاستبداد المقنع والتدجين المبطن.
5- وعليه كانت الأهداف الاستراتيجية للتيار الرئيسي هي: التحرير الممأسس والتوعية المحركة والتغيير الناجز.
وبناء عليه (وبعد أن حددنا في المقالين السابقين ملخص لملامح السياق العالمي ثم الإقليمي للمراجعات والتغيير اللذان يأخذهما قادة التيار بعين الاعتبار)، بقي علينا أن نختم بتلخيص المستوى الثالث الخاص بالحالة الجزائرية وملامح السياق الوطني، الذي يستصحبه التيار الرئيسي أثناء قيامه بعملية التقييم والمراجعات وصناعة التغيير العميق ومتعدد المستويات :

أولا أرصد لجوهر تاريـخ وواقـع المـأزق الجزائـري : إستمرارا لسياسات الاحتلال فيما يخص منظومة الحكم في الجزائر وحتى ما بعد إنهاء حرب الاستقلال الوطني سنة 1962، وعلى الرغم من تعدد المراحل و التحديات التي مرت بها البلاد، وتضافر الجهود فهي :
-لم تتمكن بالمقارنة مع الفرص المتاحة وإمكانيات الجزائر إلا من تحقيق عدد محدود جدا من الإنجازات على مستوى إنشاء وتوسيع البنية التحتية، نشر التعليم في حده الأدنى، التسامح مع بعض الصحف المكتوبة الناقدة، وإقامة جملة من الأجهزة التي وبعد ما يزيد عن النصف قرن من انهاء حرب الاستقلال لم ترتقي بعد إلى المؤسسية من حيث شرعيتها التداولية وثقافتها التسييرية وجودتها الأدائية.
-واسترجاع الأمن بشكل عام بما حقق نوع من الاستقرار في ربوع الوطن “لكنه يتصاعد ويتنازل بحسب المراحل” بعد السنوات الدموية نتيجة لخيار النظام إلغاء المسار الانتخابي ونتائجه الكارثية.
-بالإضافة إلى عدم تبني (إلا جزئيا) للوحدة المغاربية والمواطنة العربية والتنسيق الإسلامي كأهداف، ناهيك عن دعم القضية الفلسطينية والسماح بدعمها من طرف الشعب والجمعيات الجزائرية الذي لم يتحقق إلا بنسبة قليلة جدا، واستمرار التبعية للخارج اقتصاديا وأمنيا وثقافيا على الرغم من انتهاء الحرب الباردة والارتباط بالمعسكرات الدولية ورفع الحصار الدولي الذي ضرب على الجزائر في التسعينيات بعد المأساة الوطنية، وتوفر الموارد المادية لإنجاح مسار التنمية المستدامة بفضل المخزون الهائل من الموارد الطبيعية التي تزخر به أرض الجزائر والرأسمال البشري والمساحة الجغرافية الشاسعة.
– أن العشرية السوداء وحالة التردي العامة وشلل مسار التحول نحو الديمقراطية يتحمل المسؤولية عن وقوعها بالأساس، من قرر وقف المسار الانتخابي والاعتداء على إرادة الشعب وعدم اللجوء إلى القضاء بل للدبابات والقتل والعنف. ثم قادة المعارضة وقطاعات من اتباعها الذين افتقدوا للرؤية السياسية الرشيدة ولثقافة رجال الدولة، فتبنوا خطاب تصعيدي متطرف لم يحترم كل مبادئ الديمقراطية تجلت في البداية من خلال التصريحات ثم لوحظ دخول قطاع منها في صراع مسلح مع النظام، مع بدء الاعتقالات الواسعة وفض الاعتصامات المدنية السلمية بالعنف المفرط. واليوم نسجل بوضوح لا لبس فيه الفشل المبين للنظام على هذا الصعيد، فلم تتمكن المقاربة المعتمدة من طرف هذا الأخير -المحتكر للسلطة والثروة في الجزائر- والمبنية فقط على تكتيك ” المكافحة بالكل الأمني” على حساب المقاربة المعتمدة على إستراتيجية “المعالجة بالذكاء السياسي” من إيجاد حل جذري للمأزق الحالي الذي اختلط فيه “إجرام المهربين والمافيات !! مع إرهاب الجماعات !!”. ونؤكد على ضوء ما سبق بأن الحل الحقيقي والعقلاني والمنطقي لا يمكن أن يكون إلا سياسيا لأن الأزمة طبيعتها سياسية بالأساس ، فبدلا من معالجة النتائج لابد من معالجة الأسباب التي أدت لها، وقضية الجبهة الاسلامية للإنقاذ هي ليست قضية حزب بل قضية شعب.

ثانيا |طبيعـة منظومـة السلطـة المتحكمـة فـي الجزائـر :
-هي عبارة عن سلطة تعددية في خطابها أحادية في ممارستها لا تقبل الرأي المخالف و لا تسمح بإبدائه إلا في حدود سقف محدد سلفا لا يهدد وجودها مما أفقدها مصدقيتها ومشروعيتها عند الشعب.
-تترجم بنيويا في شكل نظام “أولجارشي” (يعني مجموعة أو أقلية تحتكر السلطة والثروة والاعتبار) غير مدني يتبنى سياسات قمعية ويسعى باستمرار على تحقيق نوع من الاستقرار بين مراكز نفوذه المتعددة والخاضعة للاحتلال الجديد، إذ التجاذب والصراع على النفوذ بين مختلف بؤره هي سمته الغالبة تقربا للحاكم الحقيقي، وعادة ما يلجئون إلى الابتزاز المتبادل بفضح بعضهم ووصلت في أحيان كثيرة “وقد جرت أيضا أثناء الثورة” إلى حد التصفيات الجسدية.
-يتميز بوجود مجموعة من المتنفذين (خاصة من غير المدنيين الذين تعاقدوا مصلحيا مع المافيات وبارونات المال والمهربين دوليا اقليميا ومحليا).
-يلتف حولهم مجموعة من أصحاب المصالح في شكل شبكات ممثلة لمختلف المجالات ” الأجهزة الأمنية، الإدارة، الأحزاب السياسية، جمعيات، طرق صوفية، رجال أعمال، مثقفون، نقابيون، صحفيون، فنانون، سياسيون من مختلف التيارات…” يسعون لنيل رضاء هؤلاء “العرابين” المتنفذين وذلك من خلال علاقة الأخذ والعطاء المتبادل فهم يستفيدون من تغطية وعطاء رأس الشبكة وهو يستفيد من مدافعتهم عنه لإحكام قبضته على موقعه وسلطاته وامتداداته الداخلية والخارجية.
-تنتج لنا إذا شبكات متداخلة ومتصارعة وهي تنظر “هذه الشبكات” إلى جمهور الشعب وخاصة فئاته الشابة بنظرة استعلائية، باعتبارهم (كما مهملا) غير مؤهل للمشاركة في إدارة الشأن العام، وبالتالي فهم يحتكرون صياغة السياسات الكبرى وتحديد المصالح العليا للوطن واختيار من ينفذها من خلال الاعتماد على ديكور ديمقراطي (تستعمل فيه هذه الشبكات كل من لا يهدد مصالحها ومواقعها سواء كان من التكنوقراط أو من المستقلين أو من المنتمين للأحزاب يساريا كان أو قوميا أو حتى إسلاميا…) يقاد من طرف رؤوس الشبكات ويدار من طرف أتباعهم في علاقة تفويض غير معلنة.
-يسعى لخلق فضاءات للتنفيس تفاديا للانفجار ويسعى لاستدراج وإدماج الشخصيات العامة المعارضة إما ترغيبا أو ترهيبا، لدرجة انه اضحت المعارضة الرسمية هي الوجه الآخر لعملته.
-وقد لاحظنا حدوث صراعات بين رؤوس شبكاته وأتباعهم، إما استعراضا لقوة كل طرف ومدى نفوذه، وإما عندما يشعر بتهديد لدوائر نفوذه من شبكات أخرى تسعى لاختراقه أو مزاحمته. ومن نافلة القول التذكير بأنه قد تستعمل في هذه المعارك كل الأساليب الشرعية وغير الشرعية، الأخلاقية وغير الأخلاقية والتي قد تصل إلى حد التصفية والقتل المعنوي و/أو المادي.

ثالثا |طبيعـة إنتـاج الثـروة في الجزائر وتوزيعهـا :
-بما أن الاقتصاد مبني على الريع، فبمجرد توافر مداخيل المواد الأولية بعد بيعها يتم نهبها من طرف المتنفذين مما يؤدي إلى انتشار ظاهرة الفساد المالي.
-في ظل تفاقم هذا الفساد المالي و في إطار فساد السلطة الحامي له، تعمم هذا الفساد وطال مختلف مؤسسات الدولة فأصبح لدينا فساد للمؤسسات العامة والخاصة، بل وانتشر حتى في فئات المجتمع المختلفة.
-عدم إمكانية تشكل طبقة وسطى تكون بمثابة العمود الفقري الضامن للحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وما يؤدي إليه من تدهور الأخلاق الجمعية والنظام القيمي المجتمعي، المحصلة النهائية لكل هذا هي إضعاف الدولة غياب استقلالية القضاء في إطار دولة الحق والقانون وفقا لمبدأ المساواة بين المواطنين.
-ضعف القدرة الفعلية للحكومة على تنظيم ومرافقة خلق الثروة وتوزيعها العادل بين افراد الشعب وفقا لرؤية اقتصادية-حضارية تساهم في تحقيق التنمية المستدامة الملتزمة بالتوازن البيئي.

بعد بيان ملخص للمستوى الثالث المتعلق بالوطن الجزائري وملامح السياق الوطني وقبله للمستوى الثاني المرتبط بالمنظومة العربية والسياق الاقليمي والمستوى الأول الخاص بالسياق العالمي وملامح المنظومة المعولمة (في المقالات السابقة)، يمكننا القول بأننا انهينا تلخيص المدخل العام لما اردنا توضيحه حول السياقات المختلفة التي يراعيها التيار الرئيسي للتغيير في الجزائر، بهدف تشكيل ارضية نقاشية محددة وموحدة لما سيأتي من تفصيلات للمراجعات والمشاريع الميدانية ذات الأولوية للتيار الرئيسي للتغيير بما يساهم في اقتراح اجابات للإشكالية الأساسية التي تطرح على كافة التشكيلات الفكرية والسياسية في الجزائر المطالبة والساعية للتغيير السلمي والمتعلقة بقضيتين :

أولا : قضية محتوى المشروع الحضاري الوطني الذي يجب بلورته على ضوء محددات هذه المستويات الثلاث من جهة، وحصيلة التقييم والمراجعة للتجارب السابقة والمشابهة في الجزائر وعبر الفضاءات الأخرى المجاورة من جهة أخرى

ثانيا: قضية بلورة الآليات التي تحقق هذا المشروع على أرض الواقع بإحداث تغيير سلمي عميق ومتعدد المستويات من أجل التحرير والتوعية والتحول نحو الديمقراطية (الممأسسة لا الشكلية في الجزائر)، وتكوين الأمة (بالإنسان الحر الواعي والسيد والمساهم بفعالية في الشأن العام)، وبناء الدولة (بالمؤسسات الملتزمة الشرعية والمشروعية والتداول السلمي على السلطة)، ومجتمع المواطنة (المنتج والملتزم بالعدالة الاجتماعية والتوازن البيئي). من خلال الاستفادة من باقي الشعوب ومراعاة خصوصيات ومعطيات البيئة الجزائرية.

ramzisaoudi

باحث في مجال الاجتماع السياسي والابستيمولوجيا / مدون مهتم باصلاح الفكر والدولة والمجتمع في الفضاء العربي الإسلامي / القناة : www.youtube.com/channel/UCthIhYPN_7vNddpk4nterkg

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: