مقالات رأي

العلمانية في ميزان التاريخ

لعلمانية مفهوم سياسي شائع وهو: فصل الدين عند الدولة، فهذا التعريف ضيًق نطاق المفهوم ومجال استعمالاته، أما التعريف الاصطلاحي المتعارف عليه للعلمانية فهو: الاعتماد على العلم والعقل بدلاٌ من الدين في تسير مؤسسات الدولة وشؤون الحياة العامة.
يتفق العالم الإسلامي والعالم المسيحي في ضبط المفهوم الاصطلاحي للعلمانية، ولكن يختلفان أيما اختلاف في فهمه ولهذا مبرراته التاريخية والعملية.
عندما كانت تخضع أوروبا في العصور الوسطى إلى السلطة الدينية – سلطة الكنيسة – كانت أحوال الشعوب الأوروبية في أقصى مراحل الضعف والخنوع والجهل، ليس لأنهم اعتمدوا على سلطة دينية لا، بل لأن الدين نفسه محرَّف مُنحرف تُسيير مؤسساته كهنة استبداديين مخادعين، فجاء عصر التنوير مع مطلع العصر الحديث فظهر مجموعة من المصلحين والمفكرين الكبار مثل الألماني “مارثر لوثر”1483-1546 رائد حركة الإصلاح الديني والثائر ضد خرافات الكنسية مثل صكوك الغفران، كما يعتبر الملهم الفعلي للمذهب البرتستنتي الذي يتميَّز بسقف عالي من الحرية والانفتاح، والفيلسوف الفرنسي “فولتير1694-1778 من أبرز رواد حركة التنوير عرف بدفاعه عن الحريات المدنية خاصة حرية العقيدة؛ فبدأت الثورة الفكرية الإصلاحية ضد الكنيسة ونظام الإقطاع وتمَّ ظهور نظام موازي وهو النظام البرجوازي أب الرأسمالية الحديثة، حتى وصلوا إلى الثورة الفرنسية عام1789م التي جاءت تنادي بالحرية والمساواة والعدل وعلى إثرها تحررت أوروبا من السلطة الدينية الكَنَسِيَّة، فأصبحت هناك كنائس تابع للدولة تسمى الكنائس الدستورية، بهذا تمً القضاء على سلطة الكنيسة وتقييد صلاحياتها فبذلك ظهرت العلمانية وتقدم الغرب المسيحي بعدما قطع أشواط من النهضة والإصلاح.
أما العالم الإسلامي رغم الصراعات السياسية والاختلافات المذهبية في العصور الوسطى إلا أنه عرف وتميَّز بحركة فكرية غزيرة وتنوير وإبداع علمي متقدم ومزدهر على عكس أوروبا التي كانت غارقة في الجهل، كان المسلمون في ذلك الزمان أكثر التزاماٌ وتحضراٌ منا نحن في عصرنا هذا، بمعنى آخر أن عصر الخلافة ورغم الصراعات السياسية والمذهبية ورغم كل التناقضات كان منتجاٌ مشجعاٌ للإبداع، حيث كانت كبرى المدن الإسلامية كبغداد والقاهرة والقيروان وفاس مراكز إشعاع علمي وفكري تستقطب طلبة العلم والعلماء من كل حدب وصوب – فيخرج علينا اليوم مجموعة متنطعين مقطوعين المحسوبين على التنويريين يدَّعون أن الحضارة الإسلامية لا مكانة لها بين الحضارات العالمية محاولين نسفها من التاريخ-، لكن يجهل هؤلاء الحاقدون أن الحضارات التي عقبت الحضارة الإسلامية استمدت وجودها منها بحيث أنها تمثل الأرضية التي انطلقوا منها.

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة ومنذ عهود لماذا تراجع المسلمون بينما تقدم غيرهم؟ لماذا تخلوا عن منهج حضاري سليم ودخلوا نفق مظلم تاهوا فيه ولم يخرجوا منه إلى الآن؟

في مطلع العصر الحديث حين بدأ الغرب ينسلخون من دينهم المحرَّف المُزيَّف متجهين إلى التحرر الفكري والإبداع العلمي، أخذ المسلمون بعدها بفترة من الزمن نفس الاتجاه لكن نحو تخلف فكري وتقهقر علمي والانسلاخ من دين سمح متَّزن، بدأت تتراجع الحركة الفكرية المتنورة التي عرفتها البلاد الإسلامية.

رغم أن العالم الإسلامي في هذه الفترة كان مترامي الأطراف يتميز بقوة عسكرية ووحدة سياسية تمثلت في الخلافة العثمانية التي حافظت على وحدة المسلمين لعقود طويلة من الزمن إلا أن هذا الوضع لم يعطي للحضارة الإسلامية المناعة والحصانة الكافية من أجل البقاء والاستمرار لأنها لم تلتزم بخط التقدم العلمي والمعرفي الذي كانت تتميز به؛ لعلَّ سبب ذلك يرجع إلى أن الخلافة العثمانية لم تكن تهتم كثيرا بالمؤسسات العلمية وتطويرها وبالعلماء مثلما كانت تهتم بالمجال العسكري، كما أن العالم الأوروبي المسيحي في هذه الفترة عرف ازدهارا وتحضرا ونمط حياة مختلف جدا عن العصور السابقة ما دفع بالشعوب الإسلامية إلى البحث عن نمط حياة شبيه بالذي تتمتع به الشعوب الأوروبية فقررت التغيير والتخلي عن كل أشكال التخلُّف والرجعية لكن دون أن تؤسس لنهضة حضارية تتماشى مع طبيعتها الإسلامية، بالفعل تغيرت الشعوب الإسلامية عن سابق عهدها ولكنها لم تتخلص من تخلفها وضعفها بل حملتهما معها، ما زادها انكسارً وتأزماً.. سقطت الخلافة في 1924م وهذا ما كانت تريده الشعوب الإسلامية لكنها لم تفلح بعد ذلك بل سقطت معها حين اعتقدت أنها تحدوا حدوا الشعوب الأوروبية في تحررها من ظلم وطغيان سلطة الكنيسة، ظناً منهم أن العيب في الدين وأن إقحامه في الحياة العامة وتسيير مؤسسات الدولة هو عرقلة للتنمية والنهضة لم يدركوا أن الدين الإسلامي لا يتعارض مع العلم والعقل بل يشجع على طلب العلم المعرفة ويؤسس لهما.

ظهرت مجموعة من التيارات السياسية منها القومية العربية المتأثرة بالقومية التركية العلمانية التي تزعَّمها مصطفى “كمال أتاتورك”1881 -1938 مؤسس الدولة التركية الحديثة والذي ألغى الخلافة وأستبدلها بحكومة علمانية في شتى المجالات أنشأت هذه الحكومة سلسلة من التحالفات مع الدول الأوروبية، رغم أن العديد من الحكومات العربية لم تشاطر أتاتورك في معظم إجراءاته إلا أنها تبنت نفس نهجه العلماني في تسيير مؤسسات الدولة فضيعوا الدنيا بعدما ضيعوا الدين، لكن ظهور بعض الحركات الإسلامية المتنورة كتنظيم الإخوان المسلمين العالمي الذي يعتبر جبهة قوية في مواجهة الشيوعية والليبرالية المتعجرفة لعلَّ مثل هذه التيارات الإسلامية تعيد للأمة رشدها السياسي والحضاري، فها نحن نشهد حركة إصلاحية نهضوية بزعامة حزب العدالة والتنمية في تركيا التي غرقت في وحل العلمانية لقرابة 80 سنة هاهي اليوم تخرج من نفقها المظلم لتثبت للعالم أن العلمانية ليست حلاً سياسياً في بناء الدولة الإسلامية الحديثة، كما نشهد قفزة نوعية للنهضة الحضارية في أندونيسيا، لعلَّ هذه التجارب تعمم على باقي الدول الإسلامية وتخرج هي الأخرى من نفق التخلف الذي لا تزال قابعة فيه وإن كانت بدرجات متفاوتة فيما بينها

بعد هذا العرض السريع يمكن أن نخلص إلى أن العلمانية بين العالم المسيحي والعالم الإسلامي اختلفت في النتائج المتوصل إليه رغم أنها تتفق في المفهوم، هذا ما يؤكد أن العلمانية مسلك رشاد للشعوب الأوروبية ومأزق ونفق تِيه للشعوب الإسلامية ومنهج مستحيل لبناء حضارة إسلامية متينة بل هي طمس للهوية واستئصالها، وخير ما أختم به هذا الموضوع قول الله تعالى: ” إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ” سورة الرعد، الآية: 11. هذه الآية الكريمة تكفينا أن نتخذها منهج حياة وسبيلنا نحوى التقدَّم والنهضة للخروج من حالة الذل والهوان التي لا زلنا ماكثين فيها منذ أمدٍ بعيد.

 

 

عبد الجبار عماري

باحث في التاريخ والحضارة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: