مقالات رأي

الكتب في حياتي

أنا لم أرسم خارطةً للنور في حياتي مرةً واحدة، وإنما تلمّسته من خلال تجارب زوّدتني بها معالم هذه الحياة، اقتحمتها مصادفةً وكانت مغادرتها توصل للنور أيضًا مصادفة، من ضمنها عالم القراءة الذي رُزقنا.
أحاول أن أتذكر حليب الرضاعة الأول الذي رضعته صغيرةً من قصص المكتبة الخضراء وحكايات ألف ليلة وليلة ومجلة ماجد وللأذكياء فقط، وقصص النوادر والطرائف، وبالتأكيد قصص كليلة ودمنة هذه التي جعلتنا نعرف شيئًا من جدوى الحياة حين كانت لا تعنيننا غير صفحةٍ من خيال ولعب، لن أتنكّر لكتب الطفولة لأنها روّضت عظامي وفتلتني وجعلت مني قادرةً على الولوج في هذه المضمار الطويل، وإن كانت الآن تشبه طعم السيرلاك في فمي بعد أن تجاوزتها بعشرات السنين !
بدأت الآن أحبو في خيالي الخصيب، وصرت قادرةً على مشاركة تشارلك هولمز في فك بعض شيفرات جرائمه، وقليلًا من أحداث روايات الجيب التي كانت تصدرها الدار المصرية للدكتور نبيل فاروق وأحمد خالد توفيق وغيرهم الكثيرون، وصارت الروايات الأجنبية تستهويني فأبدأ بالقراءة باللغة ذاتها التي ولد فيها العمل، ثم سرعان ما تأخذني الأحداث فلا أقوى على مقاومة مارك توين وديكنز وبرونتي وهوجو وماركيز، وسلسلة هاري بوتر الساحرة.
مضت سنواتي الأولى أتسكع في دوحة القراءة أغذي خيالي وأشرب من معين المتعة والسعادة المؤقتة دون فائدة تذكر، وكانت تلك المحطات كمن ذهب لمدينة ألعاب لكنه أطال المكوث هناك، وبالتأكيد لو عدتُ لسنوات الطفولة لن أغيّر من ميولي تلك شيئًا، لكن العالم حين فتح لنا أبواب جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة، وكشف لنا عن كتاب الإحياء ومذكرات الشيخ علي الطنطاوي، وسير العلماء والأدباء والرحالة، وحين أخذنا في جولاتٍ من عوالم المستشرقين، ومحطاتٍ من حياة طه حسين وفدوى طوقان وراشد حسين، تمنينا لو امتلكنا آنذاك الحلم الأكبر في ظل الفراغ الكبير، وها نحن الآن نمتلك الحلم الكبير في الوقت الضيق.
القراءة.. هذا العالم الأرجواني لا أذكر أنني بكيتُ أو تضايقتُ وقرأت شيئًا ولم يذهب عني ذاك الكدر، القراءة.. روحٌ تتصل بالأرض وتعلقك بالسماء، الحديث عنها يشبه الحديث عن سرّ وجودك هنا، وسر بقائك على قيد الحياة حتى الآن.
لن تشعر بقيمتك فردًا في خارطة هذه الحياة، وفي خاطرة هذا التاريخ دون أن تجعل لك امتدادًا تاريخيًا وجغرافيًا يصلك بمن قبلك ويجعلك حلقة وصلٍ لمن بعدك.
القراءة طريقٌ بدايته متوعرةٌ وشائكة لن يشدك للمضي فيها غير الإرادة والقصد، ثم ما تلبث أن تتزحلق في متعةٍ عقليةٍ وروحية تتمنى ألا تعود منها، علينا أن نحيا ما عاشه العلماء والأدباء من انعزالٍ اجتماعي وانعتاقٍ روحي وفكري لأجل القراءة وإشباع العقل، ولو لساعاتٍ من نهار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: