مقالات رأي

اللهجات وأبعادها الاجتماعية

في أول يوم عمل لي، ذهبت إلى إحدى الإدارات بولاية باتنة لاستلام قرار التعيين، ، وبعد حوار قصير بيني وبين إحدى الموظفات ، بادرتني بالسؤال التالي: عفواً، هل أنت شاوي ؟ قبل أن أجيب عن سؤالها، بادرتني بالتعليل التالي: لهجتك لا تبدو شاوية! إزاء هذه الملاحظة “العميقة”، سألتها: وكيف تبدو لك لهجتي؟ فأجابت بتردد: لا أدري، ربما هي لهجة عامية!
حاولت أن أشرح لها ما يتضمنه كلامها من إفتراضات ضمنية مغلوطة ، فقلت: من الواضح أن كلامك مبنيّ على افتراضين: الأول، هو وجود تضاد بين ما تسمينه “اللهجة الشاوية” واللهجة العامية، والإفتراض الثاني هو أن من المستحيل أن يكون شخص ما شاويا ويتحدث بلهجة عامية! إذا قبلنا بصحة هذين الإفتراضين، فإن ما يترتب على كلامك هو أنك لست شاوية، لأنك لا تتحدثين بها، أليس كذلك؟ ، فوقعت في موقف تحسد عليه: وأجابت بكل تأكيد . لا! تابعت حديثي لأقول: لكن لاحظي أن هذا يعني أيضاً أنني لست شاويا، لأني لا أتحدث “اللهجة الشاوية”، فهل هذا ما أردت قوله؟!
يقول عالم اللغة الاجتماعي، ماكس فاينرايخ: “ اللغة هي لهجة مدعومة بقوات مسلحة ”! بمعنى أن اللهجة المهيمنة أو السائدة في أي مجتمع تعكس لهجة أولئك المسيطرين على زمام الأمور، سواءً من خلال الاقتصاد أو التعليم أو وسائل الإعلام بأشكالها كافة ، لكن الهيمنة اللغوية لا تعني الإعتراف بلهجة واحدة فقط وإقصاء بقية اللهجات.
في كل دولة مدنية، هناك سياسة لغوية تضع تصوراً للغات أو اللهجات الرسمية للدولة، مع عدم إغفال رعاية الحكومة للغات واللهجات غير الرسمية، ذلك أن التعدد اللغوي يمنح الدولة بعداً جغرافياً وعمقاً تاريخياً، كما أنه يعكس مقدار التسامح السائد بين أفراد المجتمع الواحد، و في ظل شعار “الوحدة الوطنية”، أصبح مفهوم “الوحدة” يعني توحيد ملامح الإنسان على مستوى اللهجة، والملبس، وحتى التفكير!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: