مقالات رأي

بخصوص اتفاقنا …

من منا لا يعرف ذلك المثل القائل : ” اتفق العرب ألا يتفقوا ” ، الكثير من الناس يرشه على تعليقاته بخصوص مختلف القضايا العربية كما ترش التوابل على الطعام ، و مع أنني أدرج نفسي ضمن تلك الأغلبية الغالبة من العرب فهذا لا يعني أنني أتفق كلية مع ما جاء في هذا المثل ، صحيح أننا نحن العرب نمثل القدوة لكل الشعوب في طريقة اتفاقنا و تفاهمنا على “عدم الاتفاق ” ، إلا أن هذه ليست النقطة الوحيدة التي نتفق عليها .
إن كل من يتأمل مختلف الأحداث التي يعيشها وطننا العربي ثم يستمع إلى آراء و تعليقات الناس بخصوصها و من ثم ينتقل إلى خلايا دماغه فينشطها قليلا و يزن الأمور بعين بصيرته.. فإنه سيدرك لا محالة أننا تفاهمنا و انسجمنا حول موضوع آخر أخطر .
إننا اتفقنا على الرضوخ لسلطان الجهل و تجاهل سياسات غسيل الدماغ التي تمارس على أطفالنا ، شبابنا و حتى شيوخنا ليل نهار .. اتفقنا على توقيف عقارب الساعة ليتوقف الزمن معها ، لكننا لم نكتف بذلك بل اتفقنا أيضا على إعادتها للوراء ليعود الزمن بنا إلى عصور ما قبل الإسلام ، شددنا الرحال و مضينا قدما إلى زمن الجاهلية .. لكنها ليست الجاهلية الأولى ، هي جاهلية حديثة موسومة بأيقونة الإسلام ، هناك .. و باسم الإسلام ، مارسنا طقوس الجهل و التخلف بكل أريحية .. حاشا الإسلام !
هكذا و بكل تلك البساطة .. صار حالنا على ما هو عليه الآن ، ففي نفس الوقت الذي تواصل فيه بعض الشعوب ارتقاءها على سلم الحضارة ، نتابع نحن سقوطنا و انحدارنا إلى الهوة .. حتى أننا وجدنا لأنفسنا مكانا في ” الدرك الأسفل ” . و من ذلك المنطلق القائل أن من عاشر قوما أربعين ليلة صار منهم ، صرنا نحن من أهل القاع ، اكتسبنا صفاتهم و عملنا بمبادئهم ، تأثرنا بهم و أثرنا فيهم . وقفنا جميعا في صف واحد .. بقلب رجل واحد نهتف : لا لحرية الرأي لا للديمقراطية ! تموت الاختلافات و تحيا الخلافات ! الإسلام صوم و صلاة و الحياة استمتاع بالملذات .. لا رابط مشترك بين الدين و الدنيا ، لا للقراءة فهي مضيعة للوقت و مفسدة للقوى العقلية .. إملأ فراغك بمشاهدة المسلسلات التركية أو بمتابعة آخر أخبار الأندية الرياضية ، القدس قضية الفلسطينيين و الأزمة السورية تخص السوريين .. لا تشغل بالك بمثل هذه الأمور السياسية .. اهتم فقط بالحصول على آخر ماركات الهواتف الذكية !
رفعنا علم الجهل عاليا و وقفنا وقفة إجلال تعظيما له ! نعم يا سادة .. جعلنا الجهل فوق رؤوس الجميع حين أنهينا صراعنا معه و فضلنا توقيع معاهدة” السلام” .. عفوا بل معاهدة ” الاستسلام ” ، ارتأينا ترك عدتنا و عتادنا بيد من نظنهم أعلى شأنا منا ليخوضوا الحرب بدلا عنا . كان هذا بالنسبة لنا أسهل الطرق و أيسرها و أقلها أضرارا، لكنه كان بالمقابل أكثرها إضلالا . و كان لزاما علينا في النهاية أن نرتدي رداء التخلف احتفاء بجهلنا !

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “بخصوص اتفاقنا …”

  1. و بورك في الشباب الطامحين! أحسنت و أصبت فاطمة!
    و يا ليت باكورة المجتمع الإسلامي تنتفض من غيبوبتها و تشمر على سواعدها تأهبا للإصلاح فإنه ليحزن النفس أن ترى أمة اقرأ تنجرف وراء سفاسف الأمور و تنسى الغاية الأسمى من وجودها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: