مقالات رأي

بين العقل والقلب .. ضلال سوداء (1)

مهما حدث ، فإنهُ يحدث في الوقت المناسب’
الإثين الساعة السابعة مساءًا (دون ذِكر التّاريخ )، كُنت أحاور نفسي كثيرًا و طويلاً وعميقًا قبل الخروج، وككل مرة أفتح باب الغرفة . . فأنا لا أفتحه .. إنه يتمسك بعضه ببعض كأنه لا يريد أن يفتح  .. كأنه هو الآخر لا يريد لي أن أخرج . و أن أبقى وراءه . . وراء هذه المقبرة . . لكي أشعر كل يوم بمعجزة الميلاد .. ففي كل ليلة أصلي على نفسي، فقد أموت غدا او قبل طلوع الفجر .. فإذا صحوت شكرت الله أن أطال في عمري يوما آخر .. وأمام الباب ، وبالضبط عند فتحه تنهال على حواسي الخمس فياضانات من الإحاسيس .. أقاومها وتغرقني قطره، إنها لا تدخل حواسي وإنما تغتصبها .. تقتحمها بالقوة .. كأن حواسي مثل هذا الباب .. لابد من فسخها عند الدخول وعند الخروج أيضا .. وكأن فضيحة .. و كأن عارا كونيا يبدأ من هذه اللحظة .. وكل عناصر الدنيا تتعاون على ستر هذه الفضيحة .. فضيحة أن واحدا مثلي كان قوياً جداً ، ثم قويا ً، أقل قوة ، ثم بلا قوة ، منهكاً ، ثم شعرت بالضعف ، ثم أصحبت ضعيفا ً، أقل ضعفاً ، ثم هشا ً، ثم أصبحت قاسياً كالموت شاهدا على العصر الذي أريده ولا يريدني.
يسحب المساء ظله علينا، وتختلط ظلالنا بعتمة المساء. لا أثر على الأرض الشامخة سوى قصة عاشقين لم تكتب بعد، أول لقاء متأخر بيننا، يا امراة تكتب أنفاسي على الحنين. عائد أنا من أزمة السرداب، من مدينة الأحلام المليئة بالوهم. عائد لوجع البوح الأبدي، حزينا منساقا خلف ظلي، مبعثرا كضباب خريف غازلته غيمة أحزان، لأخلع وجهك عن وجهي و أروي الحكاية …
شهر مضى، سنة ، سنتين وأولى ساعات الليل وهاهو الجرح ينفتح من جديد.. وفي ذاكرتي ألف حكاية فراق، أتلوها على قلبي في كل ليلة،
– إنها العاشرة والنصف ليلا؟ تقول الساعة بتحد.
أفرك يدي وألقي نظرة على الجدار، لا ظلال لي على الجدار، الجدار خاو من الذكريات ومن الألحان ومن الكلمات ومن الصور. كانت ظلالي على الجدار تفوح بذكرى اللحن المفقود. أما في هذا المساء – والساعة تواجهني بعناد – فقد وضعت يدها في يده ورحلت.
هذه الليلة؛ أنا لست واثقا من أنا، فلم أعد أعرف الكثير عن نفسي، ويبدو أني نسيت ذلك الظل لولا الأثر الرطب الذي خطه في قلبي، غابت الشمس عن سمائي، فأصبح الكون كلّه ظلامٌ دامس، أصبح الكون كلّه من دون ألوان، وملامح، وأصوات، لم يعد سوى صدى صوتك يرنّ في أذني، لم أعد أرى سوى صورة وجهك الحبيب، لم أعد أتذكّر إلّا صورة وجهك، ونظرات عينيك عند كل تقاطع طريق.
– لعل بعض الماء البارد، سيحث ذلك اللحن الموزون للعودة ثانية، أو سجارة من نوع خاص تدلني على طريق بيتك، لعل بعض القهوة المرة ستمحو آثار الضباب عن عيني ، ولكن السؤال لا يستجيب لنداء القهوة ، هاهو يشق طريقه في لا مبالاة متكيفا مع تداعيات حمقي.
اليوم فقط، سأمد روحي جسرا أو أملا لقراءة الماضي. سأسرج للرحيل دموعي وألملم شهادة الميلاد، وأمضي أبحث عن شتاء ينزف مطرا، لأغسل من على وجهك لون المأساة، اليوم فقط، سأنسج من الأمس قبرا وأكتب على بابه بالدم و الدموع :
“كنت أحب هُيام وكانت هُيام تحبني”.
هكذا سيسحب المساء ظله علينا، وتختلط ظلالنا بالعتمة، إلا ظلي التائه عني لايزال ككل يوم خارج الرقعة ينتظر قدومك يا أنتِ، ليخبرك أني عدت من الضباب أحمل الثورة في بطن الكلمات،أني عدت وأنا ابن الهزائم الكبرى .. القادم من كل النكبات و النكسات.
لأكتب عني وعنك و عن رجال احترفوا التسول بعد أن صنعوا استقلالا وحرية، وعن المنسيين على هوامش الحرب ..عن الجثث التي لا اسم لها و لا حتى رقم، وعن آلاف القصص التي يتوسدونها فوق ‘كرتونهم’ المضجر بالملاحم والذكريات، لكن عبثا أتجرع أشواك الانتظار. ليال يا أنت سهرتُ و سهرتُ، وفي غمرة كل أرق يطفح من عروقي شيئ ما لأحمله من ذكرياتي المضيئة على الورقة، أختزل كل همسة شوق إليك في كلمات، حتى الأيام ظلت تطاردني مثقلة بالحكايا، تعتصر من ذاكرتي آخر الآهات، فطوال هذا العمر المضجر أحببت امرأة واحدة و جربت مئات النساء و أحبتني امرأة واحدة و هجرتني مئات النساء، الى أن رسا على باب قلبي الصدأ، و حدث ما كنت أخشاه … تعودت غيابك و انطفأ الشوق فأصبح شعري أبيض وشاخت كلماتي وصرت لا أحسن غير السأم والضجر، فعندما تغيبين عني ينفرد الحزن بي، وينشرني كضباب على بحيرة من دموع فيمضي الفجر البارد إلى حيث أنت ولا يعود، ليزداد حنيني إليك، إلى امراة من هذا العالم تسكنني، وتمسح من على مواسم الحزن دمعتي، فقد كان ممتعا أن يأكلني الشوق حبا وحنينا للقاء. كم كان ممتعا أن أحيا الغد و أبنيه على همسات الأمس وبقاياه لكن سيدتي أنا ماعدت أطيق الإنتظار ولا أحسن عد الأيام، إنما أصبحت محترفا في نبش الأحزان عند كل مساء لألقاك يا أنت، نائمة في عمق المواجع والطعنات.
خريفية العينين كنتِ، ترسمين التاريخ بالكحل و الإنتماء بالبراءة بأنامل يديك سمفونية الحياة على مسرح النسيان. ‬‎
-بالأمس القريب، روت لي عيناك بدموع الهمس: هذا الوطن حزين واليوم، ها أنت امراة أخرى مضت، ومضت معها كل الفصول وانتحر اللقاء. أنا لازلت أذكر جيدا، أذكر أنه كان يوما غريبا تكاثرت فيه الألوان، ذاك الذي رسمنا فيه لوحة للتحدي و أخرى للفراق. حتى القدر كان حاضرا ووضع عليهما آخر ‘الرتوشات’.
يومها حاولت صنع القرار و نسيت أن أول شيئ قادني إليك، هو ذاك التحدي الذي استوطن عينيك. فقلت لك:
– أنا لم أكن أبحث يوما عن امراة بحجم أسفار قلبي ولا عن وجه امراة باتساع أحلام الطفولة، لذلك سيدتي سنرحل نحو مواسم أخرى لم تصبها الجراح.
فقلت لي :
– الجرح بداخلنا يا سيدي، و سنرحل من البعيد إلى البعيد، لنكتشف أن نهاية الجرح هي بدايته، لذلك فارحل إن شئت، فذاكرتي يا أنت صفصافة تعوي بها ريح النسيان.
فلن أرحل معك.. لن أرحل. حتى وأنت قادم نحوي تبدو بغاية الذهاب.
كان المساء يهب من كل الجهات، وأنا احزم آخر الذكريات في الحقيبة لأمضي، وكان نداء الرحيل أكبر مني ومنك. لم تكن الطائرة وهي تصعد بي أقدر من كبريائي على منعي من الرجوع إليك، أنا الرجل المنحط في هرم الجاهلية منذ آلاف العصور. آخر كلماتكِ ظلت ترقد بذاكرة حقيبتي بين طيات الورقة التي دفعتِ بها إلي وأنا أصعد سلم الطائرة قائلا لها : أنتِ لا تعرفين قدر ما عانيته من (حياة) في سنوات عمري التي لم تتخط الثلاثين بعد، فلا تخبرنني أن الحياة محملة بالورود والوعود، فهذه الجملة بها من الحماقة ما يفوق قدرتي على الإحتمال…
فصارحتني بقولها :
إسمع …

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: