مقالات رأي

جزائر ما بعد “ينّاير”

إذا كان هذا العصر هو عصر تطوّر الأشياء، بما يسمّى التكنولوجيا. فهو بالتأكيد عصر تخلُّف الإنسان. فدراسة تطوّر الحضارة الإنسانية، تخبرُنا بأنّ إنسان الزمن الحاضر أقلُّ تمكّنا وقوّة في القول والفعل من الأجداد، وإن كانت حضارته المادية أغنى وأرقى. فما هذه الحضارة إلّا نتيجة التراكم العلمي، والذي يُعتبرُ تحصيلَ حاصل لآلاف السنين. ورغم التقدّم الذي شهدته وسائل الاتصال، إلّا أن مشكل التواصل اليوم لا يزال قائما.
وإذا تمعَنَّا فيما وصَلَنا من موروث مادّي ولا مادّي، وما نعرفه اليوم من عادات وتقاليد، لما استدعى الأمر أكثر من دقائق، كي نفهمه ونستوعبه. فمشكل الهويّة، لم يكن أبدا عائقا أمام الأجداد، بل لم يكن أبدا مشكلا أصلاً. فالنسيج المجتمعي الجزائري لم يكن يوما منقسماً إلى “عرب وأمازيغ” كجنسين مختلفين ـ وإن اختلفت أصولهما ـ بل كان الأهمّ هو ما يجمعُهُما ليصنعا حاضرا واحدا، وقد صنعا الأمجاد معا.
ففي الوقت الذي يجدر بنا، أن نحتفي بإنسانيتنا، وبالأمور التي تجمعنا، صرنا نعود لاختلافاتنا، فنركّز عليها ونضّخمها.
الاحتفال بالسنة الأمازيغية، ليس موضوعا جديدا، إنما هو قائم بذاته منذ 2968 عام. لكن ما هو جديد، هو ذلك المنطق “الانتصاري”، ذو الطابع “الجهوي الضيّق”. فقد لاحظتُ أنّ بعض إخواننا الذين يشاركوننا الوطن والانتماء والتاريخ والمِحن والإحن، يتطرقون لهذا الموضوع، من الجانب الذي تجاوزه العالم منذ زمن بعيد.
ففي زمن، صارت فيه البشرية تتوجّه نحو الثمانية مليارات نسمة، عاد لزاماً أن نتّفق على ما يجمعنا، ليس كجزائريين فقط، بل كبشر نتشارك هذه البسيطة. فالاختلافات الثقافية الكبرى، هي التي تصنع اليوم الحروب والمجاعات والسياسات الاقتصادية الضيقة الأفق والمحدودة المدى، والتي تأخذ شريحة كبرى من الإنسانية نحو الهلاك، بل الطبيعة كذلك!
لو تمعّنا في حضارة المسلمين في بجاية، كعاصمة لدولة الحمّاديين، ولو تمعّنا في أسماء الكثير من المدن التي لا زالت تحافظ على أسمائها الأمازيغية، ولو نظرنا في بعض التقاليد، كمناسبة “ينّاير”، والتي يحتفل بها الجزائريون جميعا، لاستنتجنا سريعا، أن مناسبةً بدأت منذ أزيد من 2900 سنة، ما كانت لتصلَ إلينا لولا محافظة المجتمع الجزائري ككلّ عليها.
والجدير بالملاحظة اليوم، أن هذه المناسبة لا يحتفل بها الأمازيغي فقط، بل يحتفل بها الجزائريون في كل مكان، وإن اختلف فهمهم لها، وتعددت طريقتهم في الاحتفال بها. وأقوى ما يُمكن النظر إليه، في أمر العرب والأمازيغ وتآلفهم، في الزمن الماضي هو التمسّك بدين الإسلام. فقد كان الدّين لمئات السنين هو الجامع الأول، ولتنظر في شأن الأمازيغ في مناطق عدّة كوادي ميزاب، أو بلاد القبائل أو الشاوية أو في المناطق كلّها، حتّى صار شيوخ المسلمين من الأمازيغ قبلةً تُضرب لها أكباد الإبل.
والحقيقة في الأمر، أن هذا الشرخ المزعوم، والذي يقوم البعض باللعب على أوتاره، لم يكُن مشكلا حقيقيا قبل الاستعمار. ولم يكن يُمثّل مشكلة في فترة الاستعمار، فقد كان المحتلّ هدفاً اتّحدت جهات الجزائر الأربع لأجل القضاء عليه. ولا يزيدُ اليوم عن مشكلِ تواصل، علينا حلّه وتجاوزه لمواجهة المشكل الحقيقي.
والمشكل الحقيقي اليوم، هو وضع الجزائر الاقتصادي. والأجدر بنا أن نتّحد أكثر، ونعمل على ما يجمعنا، لا ما يُفرّقنا. فالجزائر واحدة وشعبها واحد وإنّما تنوّعها ثراء. فالهويّة اليوم هي الاتحاد والقوّة.

tahabounini

كاتب ومهندس جزائري. نشرَ مجموعتين قصصيتين وقصة للـأطفال. بالإضافة إلى مقالات نُشرت في الجرائد والمجلات الإلكترونية. بالإضافة إلى نشر قصص قصيرة وخواطر في المجلات الالكترونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: