مقالات رأي

جيوستراتيجيا التنافس على المنطقة العربية في سياق الثورات المضادة

يمر العالم العربي بأحد أكثر المراحل حساسية في تاريخه، ليس كأنظمة وكشعوب فقط، بل كجغرافيا سياسية للأوطان المشكلة لفضاءه أيضا ؛ فهو يتأرجح يوميا بين مؤكدات الاختراق الخارجي ومغذيات التفكك الداخلي، خاصة مع انتقال التنافس الإقليمي حوله وفيه، من طور الكمون المستتر إلى طور الفعل السافر. فقد باتت واضحة جلية تلكم المؤشرات الدالة على السعي الحثيث لتعميق وتوسيع دوائر النفوذ في المنطقة العربية على المستوى الاقتصادي- الاجتماعي والسياسي- الثقافي والأمني- العسكري، خاصة بين ثلاثة أنظمة تمتلك أجندات واضحة غايتها الحضور النشط والتأثير النافذ في سياسات وتوازنات المنطقة، وذلك لعدة اعتبارات يتفاعل فيها الدخيل الخارجي مع الأصيل الداخلي (هذه الأخيرة قد تحتاج لتفصيل في مقالات أخرى).
ولكن الذي يهمنا هنا هو محاولة الإجابة على أهم الأسئلة التي يطرحها هذا الواقع المأزوم وبإلحاح وهي : ما هي طبيعة هذه الأنظمة المتنافسة إقليميا على المنطقة العربية ومن هي بالتحديد ؟ ثم ما هو السياق العام الذي تتحرك فيه وتسعى في ظله للتمكين لأجنداتها على مختلف الأصعدة وفي أكثر من قطر عربي ؟ وما الذي يجعل تنافسها هذا ترافقه مخاطر وتهديدات لم يعد مجديا الاكتفاء بالتحذير منها والتنبه لخطورتها فحسب، بل أضحى حيويا وعاجلا بلورة واقتراح وتبني إستراتيجية فعالة ومتعددة المستويات لمواجهتها ؟

إن المتأمل المدقق في خريطة التفاعلات الجيوسياسية للمنطقة العربية يقف على ثلاثة أنظمة يمتلك كل واحد منها أجندة تروم النفوذ وتحركها الرغبة في التأثير في المنطقة العربية بمختلف أشكاله المادي والمعنوي، وهذه الأنظمة هي:
1- النظام الإسرائيلي صاحب المشروع الصهيوني: وهو أكثر المشاريع بروزا وحضورا في المنطقة العربية وذلك منذ احتلال فلسطين سنة 1948، إذ يعد ذروة سنام اللوبيات الصهيونية العابرة للقارات والمنخرطة في دعمه المالي والسياسي والعسكري، محليا وإقليميا ودوليا ؛ ولعل أهداف هذا المشروع في السيطرة والتوسع وتفكيك العالم العربي وتفجير الحاضر وتلغيم المستقبل أوضح من أن يشار إليها.
ولكن المهم في هذا السياق هو وصول درجة الاختراق والنفوذ الإسرائيلي في المنطقة لـ”الذروة” بالمقارنة مع العقود السابقة، وذلك أثناء وبعيد عدوانه الأخير على غزة بتاريخ 8 يوليو2014 في إطار الحملة العسكرية التي أطلق عليها اسم “الجرف الصامد”، والتي راح ضحيتها 1742 شهيد فلسطيني تمثل نسبة المدنين فيهم 81 % بحسب المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان بسويسرا. واخترنا لفظ “الذروة” في توصيف الحالة التي بلغها هذا المشروع من اختراق ونفوذ في صفوف الأنظمة العربية الرسمية وبعض “النخب” السياسية-الإعلامية والثقافية-الفنية، لما شاهدنا خلالها من اعتراف معلن لقادة الكيان الصهيوني المحتل، وعلى رأسهم رئيس الوزراء ناتنياهو، بوجود دعم رسمي لسياسات إسرائيل من طرف عدد من الأنظمة العربية، في إشارة كما أكد كثير من المحللين إلى النظام الانقلابي المصري، والنظام الإماراتي والنظام الأردني وغيرهم، وبرزت في سفور فج تلكم الشخصيات الرسمية وغير الرسمية ممن باتوا يعرفون بـ “الصهاينة العرب”.
2- النظام التركي صاحب المشروع العثماني الموظف لـ “الطائفية السنية”: الذي ينضاف لقائمة المتنافسين على النفوذ في المنطقة العربية، فعلى الرغم من انحصار دور هذا المشروع في فترة تنامي الشعور القومي والوطني في الأقطار العربية بعد الحرب العالمية الثانية، إلا أنه عاد بقوة في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين لساحة النفوذ والفعل في المنطقة العربية، خاصة بعد وصول حزب العدالة والتنمية لحكم تركيا سنة 2002 ؛ والذي تشكلت قيادته أساسا من المنتخبين الذين انشقوا عن حزب الفضيلة الإسلامي الذي كان يقوده نجم الدين أربكان والذي تم حله بقرار صدر من المحكمة الدستورية التركية في يونيو/ حزيران 2001، بعد أن قاموا بمراجعة جذرية لفكرهم السياسي والحركي وتبنوا بقيادة الثلاثي عبد الله غول، ورجب طيب أردوغان وأحمد داوود أغلو فكرة الحزب “الديمقراطي المحافظ” الذي يقبل بمبدأ “علمانية الدولة” بدلالات محددة تتلخص في:
أ. عدم تبني الأحزاب لخطاب ديني وتركيزها على الطرح البرنامجي
ب. العلمانية مبدأ يتحول إلى أداة “قانونية- إجرائية” تضمن الحياد واحترام الحرية الدينية للمواطنين على اختلاف مشاربهم وقناعاتهم
ج. الغاية من تبني العلمانية هي الحفاظ على العيش المشترك بين مختلف مكونات المجتمع
د. تترجم العلمانية من خلال الالتزام بمتطلباتها من طرف مؤسسات الدولة في صياغة القوانين وإنفاذ السياسات العامة.
ولكن العنصر الأهم في هذا السياق هو ما يتعلق بتبني دستور يكرس النظام الرئاسي على المستوى الداخلي و الذي ربما سينتقل بالسياسة الخارجية التركية إزاء العالم العربي إلى طور جديد. فهذه السياسة الخارجية المتبناة لوقت قريب هي تلك التي بلورها نظريا وأشرف على تجسيدها عمليا قبل وبعد الربيع العربي، الرئيس السابق لحزب العدالة والتنمية ورئيس الوزراء التركي البروفسور أحمد داوود أغلو، والذي قال بوضوح في خطابه أمام نواب الحزب – في سياق رده على انزعاج ساركوزي من اهتمام تركيا بأفريقيا- وذلك بتاريخ 23 نوفمبر2009 : ” إن لدينا ميراثا آل إلينا من الدولة العثمانية ؛ إنهم يقولون هم العثمانيون الجدد؛ نعم نحن العثمانيون الجدد. ونجد أنفسنا ملزمين بالاهتمام بالدول الواقعة في منطقتنا. نحن ننفتح على العالم كله، حتى في شمال أفريقيا …” ؛ ومن هذا المنطلق كانت سياسات النظام التركي داعمة للشراكات مع الأنظمة العربية، التي عرفت والتي لم تعرف انتفاضات أثناء الموجة الأولى من الربيع العربي، وظهر واضحا بعد الانقلاب في مصر وخروج قطاعات واسعة من الشعب السوري للمطالبة بالتغيير، وما حدث في ليبيا واليمن بأن مواقف النظام التركي (وإن تأخرت نظرا لبراغماتيتها) أقرب لخيارات الشعوب المنتفضة. هذا الأمر يبدو أنه سهل عليها في الظرف الراهن الاقتراب أكثر فأكثر من النظام القطري ؛ والآن مع التطورات الأخيرة في المنطقة ظهر انفتاح متبادل بين النظام التركي والنظام الحاكم في المملكة العربية السعودية، خاصة بعد رحيل الملك عبد الله وإبعاد عدد من الشخصيات المحسوبة عليه من مواقع النفوذ، بحسب التقارير الصحفية والبحثية، فهل نحن أمام نوع جديد من التشبيك العلائقي قد يغير خريطة التحالفات القائمة في المنطقة ؟ يبدو بأن الحكم سابق لأوانه فهي لا تزال قيد التشكل والأيام حبالى بالمستجدات والمتغيرات، خاصة بعد فشل المرحلة الأولى من الانقلاب في تركيا وتغير طبيعة نظام الحكم وفقا للدستور الجديد.
3- النظام الإيراني صاحب المشروع الفارسي الموظف لـ “الطائفية الشيعية”: وحتى نستكمل رسم خريطة المتنافسين الإقليمين على النفوذ في المنطقة العربية علينا أن نركز التحليل أيضا على المشروع الإيراني المستخدم “للتشيع الطائفي” بوضوح، باعتباره أداة فعالة في عملية اختراق الأمن القومي للأقطار العربية عامة، وتلك المتواجدة بمنطقة الخليج العربي خاصة. وهذه النزعة الإمبراطورية التوسعية على حساب المنطقة العربية تذكرنا بمقولة ” تصدير الثورة” ليس كشعار فقط بل كممارسة فعلية للدولة الجديدة آنذاك، في سياساتها الخارجية إزاء الفضاء العربي منذ 1979 تاريخ قيام ما سمي بــ “الثورة الإسلامية الإيرانية ” بقيادة الخميني. والتي انتقلت بعدها إيران من النظام الملكي تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي إلى نظام جمهورية ولاية الفقيه الثيوقراطي، واعتمادها الرسمي على التوظيف السياسي للطائفية الشيعية كأداة نافذة لاختراق الفضاء العربي بشقيه المشرقي والمغربي.
ولكن المعطى الأكثر أهمية في هذا السياق هو تحول النفوذ الإيراني من تحريك أقليات متمركزة في بعض المناطق العربية خاصة في المشرق باسم الطائفية الشيعية، إلى السيطرة المباشرة أو بالوكالة على الأجهزة والمؤسسات الرسمية لدول بأكملها ونقصد هنا حالة كل من العراق بعد الاحتلال الأمريكي له سنة 2003، وسوريا بعد تحول النظام السوري في مارس 2011 إلى ميليشيا مسلحة تحارب المجتمع وتستخدم الطائفية السياسية لضمان حد أدنى من التماسك الداخلي، وكذلك لبنان باستخدام “حزب الله” الموالي للنظام الإيراني لسلاحه (الذي كان في الأصل موجه لمقاومة المحتل الإسرائيلي) في الداخل اللبناني لحسم الصراع السياسي، وتماهت بعد ذلك تماما أجندته مع أجندة النظام الإيراني عندما قرر الانتقال إلى الأراضي السورية للدفاع على ميليشيات النظام بدعاوى موظفة للطائفية الشيعية مرة أخرى، وبقيادة جنرالات الحرس الثوري الإيراني كما أكدت تصريحاتهم فيما بعد .
ما يجب أن يتركز في وعي المواطن العربي هو وصول حالة المنطقة بسبب المشروع الفارسي وحلفاءه في حالات كثيرة إلى استخدام السلاح في الإبادة الجماعية ضد الشعوب المطالبة بالحرية والكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية، خاصة في سوريا والعراق. ولكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، إذ تجدر الإشارة هنا إلى الخطورة الإستراتيجية التي تمثلت في الانقلاب على الشرعية في اليمن، بأمر النظام الإيراني وبتنفيذ الميليشيا التي تطلق على نفسها تسمية ” أنصار الله” بقيادة عبد الملك الحوثي في يناير 2015. وذلك بسيطرتها على المواقع السيادية في العاصمة اليمنية صنعاء.
بات جليا إذن لمن يتدبر خريطة المنطقة اليوم، قرب وقوع عدد من دول الخليج العربي وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية في الكماشة الفارسية الموظفة للطائفية الشيعية، بحيث سيطبق النظام الإيراني بهلاله المسيطر من الشمال مع هلاله الضاغط من الجنوب محاصرته التامة عليها. وما يزيد الوضع تعقيدا هو سياسات أنظمة الإمارات والكويت من جهة ونظام الانقلاب في مصر وحلفاؤه من جهة أخرى، وذلك في سياق الثورات المضادة التي تمكنت بفضل الاختراق الداخلي لأجهزة الأنظمة القديمة (المتحالفة والممثلة للوبيات العالمية المحتكرة للسلطة والثروة والاعتبار في المنطقة العربية) من استرجاع السيطرة في كل الدول التي شهدت انتفاضات شعبية من دون استثناء، مع اختلاف طرق العودة للتحكم بحسب خصوصيات كل حالة ؛ وفي الأثناء يتقدم النظام الإيراني في توسعه من خلال التحالف مع الثورات المضادة وقيادتها، بهدف إحكام قبضته وسيطرته على أجزاء مهمة من المنطقة العربية.
تأسيسا على ما سبق أمسى واضحا وجود عنصر مشترك بين المشاريع الإقليمية الثلاثة الإسرئيلي والإيراني والتركي، والتي تتنافس على التأثير في العالم العربي ألا وهو: تحقيق النفوذ وتأمين المصالح الوطنية المسطرة في أجنداتها الداخلية والخارجية باعتبارها أنظمة ودول تهمها مصلحتها الوطنية أولا وقبل كل شيء. أي بعيدا عن أي قناعات مؤسسة على أي “انتماء هوياتي”، وذلك على العكس تماما مما يشير إليه الخطاب المتبنى والمعبر عنه بشكل رسمي أو غير رسمي. بتعبير آخر، التوصيف المنضبط واقعيا لجيوستراتيجيا المنطقة العربية في سياق الثورات المضادة يكمن في وصف هذه المشاريع المتنافسة إقليميا بأنها أنظمة لدول تستخدم سياسات قائمة على “التوظيف الهوياتي للانتماءات الفرعية” ؛ ففي حالة النظام الإسرائيلي توظف ” الصهيونية العنصرية” كايديولوجيا عابرة للديانات والإثنيات “فهناك صهاينة عرب، وصهاينة مسلمين كما كشفت عنه المواقف من العدوان على غزة ” ؛ وفي حالة النظام الإيراني بجناحيه المحافظ والمعتدل وفي إطار تبادل الأدوار المعتاد، يتم توظيف “الطائفية الشيعية” لتحقيق المشروع الفارسي الإمبراطوري التوسعي. وكذلك نلاحظ هناك استخدام أقل سفورا ولكنه قائم في توظيف “الطائفية السنية” في حالة النظام التركي، الذي يبدو إلى حد الساعة من خلال مواقفه، الأقرب للتوصل مع قيادته الحالية لعقد توافق حول خطة تتضمن الحد الأدنى من البنود الخادمة للمصالح المشتركة بين تركيا والعالم العربي في سياق عالمي متقلب، وفي رحاب فضاء عربي حدثت فيه ردة، قد تكون مؤقتة وقد تطول، سمحت بتقدم ملحوظ لقوى وأجهزة الثورة المضادة.
وأخيرا لو قدمنا خلاصة باللغة الدقيقة للدراسات الجيوستراتيجة لقلنا التالي : المقارنة التحليلية الحريصة على التماسف (أي التي تأخذ مسافة من الأحداث) بحكم خلفيتها المعرفية في تناول الجغرافيا السياسية للمنطقة، ستخلص إلى أن التنافس القائم بين المشروع الإسرائيلي والتركي والإيراني على النفوذ في العالم العربي، يجعلنا لا نصنفها جميعها في نفس الخانة، ولا نساوي بينها في الطبيعة والدرجة. فهناك اختلاف واضح بينها على مستويين على الأقل : المستوى الأول هو الاختلاف في تحديد الإستراتيجية الشاملة لكل منها (وهي التي تحدد فيها من هو العدو وما هي الأهداف الرئيسة للتنافس الإقليمي)، أما المستوى الثاني للتمايز بينها فيكمن في ضبط كل منها للإستراتيجية العملياتية الخاصة به كنظام (وهي التي يتم فيها اختيار التكتيكات ووسائل وأدوات تجسيد الأهداف). وعليه وجب أن يستنتج عربيا انطلاقا من هذا التمايز : اختلاف في سياسة التحالفات وشبكة العلاقات الإقليمية التي يجب على المنطقة العربية أن تنسجها وتتعامل بها في مقابل كل مشروع من المشاريع الثلاثة المتنافسة على النفوذ فيها.
بعد هذا التحليل والتشريح لا بد أن ننتقل إلى مرحلة ثانية نحاول فيها اقتراح البديل، والذي لا يتم إلا بالإجابة على السؤال المحوري التالي: ما هي العناصر الرئيسة لما يمكن أن نسميه بــ “المعادلة الجيوستراتيجية الواعية” التي تساعد على إعادة توجيه هذا التنافس وفقا للمصالح العليا لشعوب المنطقة، بما يحفظها وأوطانها من الانقسامات والحروب الأهلية، ويؤهلها في الآن نفسه – على المدى المتوسط – إلى استرجاع زمام المبادرة والقدرة على التأثير في مجريات الساحة الإقليمية والدولية بمنطق الفعل وليس بمنطق رد الفعل كما شهدناه في بدايات الموجة الأولى من انتفاضات الربيع العربي؟

ramzisaoudi

باحث في مجال الاجتماع السياسي والابستيمولوجيا / مدون مهتم باصلاح الفكر والدولة والمجتمع في الفضاء العربي الإسلامي / القناة : www.youtube.com/channel/UCthIhYPN_7vNddpk4nterkg

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: