مقالات رأي

جَالِيَاتٌ وَوَطَن

في وطني الجزائر جزائريون، بالخارج مولعون، وبالغرب أو الشرق معجبون، ولشدة إعجابهم وَوَلَعِهِم صارت لهم ولاءات خارجية وكأنهم جاليات أجنبية.
بعضهم تَحْسَبُهُ جالية فرنسية، يُعجبه كل ما هو فرنسي، يتشدق بكلمات بلغة موليير لإبراز تفوقه على بني جلدته، يعرف عن باريس وشوارها أكثر مما يعرف عن الجزائر العاصمة وأحيائها أوقسنطينة وأزقتها…….تجده يقارن بلدته أو قريته في الجزائر العميقة بأحياء باريس الراقية……أوليست باريس عاصمة الجن والملائكة؟؟؟!!!
آخرون جالية إسبانية: يعرفون عن إسبانيا أكثر من أي شيء آخر، يعرفون أقاليمها ومدنها: مدريد، برشلونة، سرقسطة، كتالونيا، الباسك……..يعرفون فرقها الرياضية: الفريق الكتالوني والنادي الملكي…….يعرفون ويعرفون…..
وجالية سعودية: يلبسون اللباس الخليجي، يتبعون علماء الدين السعودي، تثور ثائرتهم لأي نقد لسياسات المملكة……-حَسْبَهُم- أنها القائمة على حدود الدين، والذائدة عن حياض المسلمين.
جالية تركية: مولعة بحزب العدالة والتنمية وإنجازاته، ومعجبة بأردوغان وسياساته، تصفه بخليفة المسلمين، وَتُشِيد بمواقفه تجاه فلسطين….يُزَيِّنُون بصوره حساباتهم الفيسبوكية، وحَسْبَهُم سَيُعِيد مجد تركيا العثمانية.
جالية قطرية: تفخر بالإمارة الخليجية، أوليست -حَسْبَهُم- إمبراطورية الإعلام العربية: شبكة الجزيرة الإخبارية وقنوات “بين سبورت” الرياضية، وإمارة قطر محل فخر، مؤسسات تعليمية، منشآت رياضية، أبراج إدارية…..وسياستها الخارجية تخدم القضايا العربية والإسلامية.
جالية إيرانية: إيران -حَسْبَهُم- قاهرة الغرب، عدو للكيان المغتصب لأرض العرب، قوة إقليمية، ثورتها ثورة إسلامية، صاحبة مشروع ولها إنجازات عسكرية.
معجبون، مولعون، مهتمون، يفرحون، يحزنون، يفخرون، يأسفون، يتفاعلون…..مع ما يجري في فرنسا وإسبانية، في قطر والسعودية، في ايران وتركية…..أما الجزائر فعنها معرضين وبها غير مهتمين.
هذه الظاهرة الإجتماعية يُفسرها ابن خلدون بأن “المغلوب مولع بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيه ونحلته وسائر أحواله وعوائده”، والسبب حسب ابن خلدون أن النفس تعتقد الكمال فيمن غلبها وانقادت اليه، (وعلى ما يبدو فالكل له الغلبة إلا نحن فمغلبون على أمرنا)، ويقابل إعتقاد المغلوب الكمال فيمن غلبه إعتقاد النقص في نفسه، ويتشكل بذلك ما يسمى “مركب النقص” أو “عقدة الدونية” حسب مدرسة التحليل النفسي، ويظهر ذلك في سلوك أو عمل الشخص وتصرفاته، ولمعالجة هذه العقدة يستخدم الأفراد أحد ميكانزمات الدفاع وهو التقمص وهي آلية وحيلة نفسية يقوم الشخص بواسطتها بتماهي جانب أو خاصية أو صفات من الآخر بحيث يدمجها الفرد في ذاته ويجعلها من مكونات شخصيته، وهذا ماهو واقع بشكل جلي مع أفراد تلك الجاليات من تَمَاهٍ وتقليد في اللباس والمظهر وطريقة الكلام وغيرها، مع الإشارة الى أن التقليد والاقتداء عملية شعورية في حين أن التقمص عملية لاشعورية.
إن مركب النقص وعقدة الدونية الموجود في وجدان المجتمع الجزائري مَزْرُوعٌ زرعًا، وقد زرعه الإستعمار الفرنسيإبتداءً، وقد أورد مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة الآتي: “…فقد كان القائد الفرنسي -بيجو- أول فرنسي أدرك حقيقة الشعب الجزائري وما ينطوي عليه من عبقرية فذة، إدراكًا وضع بمقتضاه الطريقة المناسبة لاستقرار الإستعمار”.
ويضيف الأستاذ مالك: “وبدلًا أن يدفعها شعورها بالنقص (يقصد فرنسا)إلى الرفع من قيمة شعبها، فإنها -رغبة منها في إقرار التوازن بين المعمرين والمستعمَرين- قد عمدت إلى الإنتقاص من قيمة هؤلاء الآخرين (أي الجزائريين)، وتحطيم قواهم الكامنة فيهم، فمنذ ذلك الحين بدأ الحط من قيمة الأهالي يُنَفَّذُ بطريقة فنية، كأنه معامل جبري وضع أمام قيمة كل فرد، بقصد التنقيص من قيمته الإيجابية”.

moussabenferdi

مدون مهتم بمجالات الفكر والحضارة والتطوير الإداري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: