مقالات رأي

حركة مجتمع السلم بين الواقع والمأمول رؤية لمراجعات عامة

  • غياب النقد الذاتي.
  • إلقاء اللوم على الآخرين.
  • تغليب السياسي على التربوي.
  • عدم الاعتبار بما وقع من إخفاقات من قبل.
  • انعدام الشورى.
  • الاستبداد بالرأي داخل الحزب مع التهميش والإقصاء.

 

عايشت أحداث الانتخابات التشريعية وكذلك المحلية (البلدية والولائية)، وشاهدت الحمّى التي تأخذ الناس في ذلك فتتكشّف حقائقهم وتتجلى طبائعهم ، وتتفلت أنفسهم من عُقُلُها، فلا ترى إلا لمزا ولا تلحظ إلا نبزا، فينحط المستوى وتسفُلُ السلوكات وتتدنّى الذهنيات، ومن ثَمّ يغيب الحديث عن البرامج والمشاريع الواقعية التي يمكن تحقيقها وتجسيدها في الميدان، بل تكثر المواعيد الكاذبة، مواعيد عُرقـُـوب!!

وفي هذا الخِضّم المتلاطم الأمواج أين موقع ما يُـسمىّ الأحزاب الإسلامية من الإعراب؟! وماهي نوعيّة الخطاب؟

إن الأحزاب الإسلامية – وحمس نموذجا – بدا ظهورها باهتاً شاحباً ، يعكس الوضع المزري التي آلت إليه، إذ منذ أمدٍ بعيد والحركة تنزف وتفقد رُواءها وحيويتها وبهاءها ذلك أن العيب ليس في الفكرة بل هو في الأشخاص الذين يحملونها فهم لم يعودوا كسابق عهدهم يستمسكون بالمبادئ واللوائح ويلتزمون بالخط العتيد الذي رسمه الشيخ محفوظ نحناح – رحمه الله وقدس الله ثراه – وأصحابه الأوائل، وهنا لابد من الإشارة إلى العنصر الأول الذي صَدّرنا به هذه المقالة –وهو غياب النقد الذاتي- أي المحاسبة والمراجعة والقيام بوقفات تقييمية وتقويمية إزاء كل استحقاق ، ماهي المكاسب، وماهي الاخفاقات؟ ماهي مواطن الخلل وأسباب الفشل؟

هذه التساؤلات وغيرها ينبغي أن يطرحها كل عاقل حصيف على نفسه!فما بالك بالجماعة معاً؟

بدل أن نُلقي باللائمة على الآخرين، لابدّ من لوم الذات، لأن النفس البشرية من طبيعتها أن تنحى باللائمة على غيرها وتنسى نفسها ، فأول خطوة علاجية عميقة دقيقة أن نعود إلى أنفسنا ونفتش في خباياها وطواياها عن الخلل والداء إذ يُعَدّ هذا السلوك من أعظم وسائل التربية والتزكية، مصداقا لقوله تعالى :(( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا (10)  )) الشمس 7-10

 

ورُوِي في الحديث : (( طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس )) .وجاء في حديث عمر t :(( حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزِنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم)) .

وقال الشاعر الحكيم لله درّه :

يا أيــــــها الرجل الْمُعَلِّمُ غَيْرَهُ *** هَلَّا لِنَفْسِك كَانَ ذَا التَّعْلِيمُ

أراك تلقـــــــــــح بالرشاد عقولنا*** وأنت من الرشاد عديم
تَصِفُ الدَّوَاءَ لِذِي السِّقَامِ وَذِي الضَّنَى *** كَيْمَا يَصِحَّ بِهِ وَأَنْتَ سَقِيمُ
ابْدَأْ بِنَفْسِك فَانْهَهَا عَنْ غَيِّهَا *** فَإِذَا انْتَهَتْ عَنْـــــهُ فَأَنْتَ حَكِيمُ
فَهُنَاكَ تُعْذَرُ إنْ وَعَظْتَ وَيُقْتَدَى *** بِالْقَوْلِ مِنْك وَيحصل التسليمُ
لَا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ *** عَارٌ عَلَيْك إذَا فَعَلْت عَظِيمُ

فهذه معضلة تربوية فادحة حين نزكي أنفسنا ونغفل عن عيوبنا وأخطائنا فهذا يُضْعِف حُجّتنا وموقفنا وتتضاءل فرص النجاح في استقطاب الآخرين وجلبهم وجذبهم إلى صفوفنا ، بل الأمر أدهى من ذلك حيث يجعل الآخرين يفقدون الثقة فينا وقد يتطور الأمر إلى أن يرمونا بالنفاق والشّقاق وسيّء الأخلاق .

كذلك من جملة الأمور التي أدت إلى تقلّص مساحة نفوذنا وتلاشي تأثيرنا أننا غلّبنا السياسي بل الحزبي الضيق على الجانب التربوي قولا وفعلا، مع أننا نعتقد بأن الأصل هو الجانب التربوي الذي أُشرِبناهُ منذ عنفوان الشباب وميْعة الصبا وترعرعنا عليه واستمتعنا واسترَوَحْنا بظلاله الوارفة أعواما مديدة وأياما مشرقة لألاءة، فنحن نشأنا على أننا دعوة قبل أن نكون دولة، بل وغــُذِّينا على أن نتخذ من دواليب الحكم –إن بلغناه- منبرا للدعوة، واللافت للنظر أن نسبة كبيرة من إخواننا –إلا من رحم ربي- عَزَبَ عنه هذا، وهو يخوض غمار السياسة ومعتركها المحتدم.

ثم إن الجماعة نسيت أو تناست ما وقع لنا في السنين الخوالي وما أُصِبْنا به من إخفاقات جمّة، حين لـُدِغنا مرارا وتكرارا فكان من المفترض أن نعتبر ونزدجر وننكفئ على ذواتنا للمراجعة ونثوب إلى رشدنا ونأوي إلى مدارجنا.

من العوامل التي أوصلنا إلى هذه النتيجة انعدام الشورى، فالشورى تعتبر من الأسس التي تنبني عليها الجماعة والحكم في التصور الاسلامي ، ومن الطبيعي أنه إذا انعدمت الشورى كان للرأي الأحادي شأن ولا يمكن أن يكون الرأي الواحد مالكًا للحقيقة كاملة ، وفي الأثر جاء : (( ما خاب من استخار ولا ندم من استشارولا عال من اقتصد )) وعلى هذا أيْ على الاستبداد بالرأي يترتب خطر كبير وينجم عنه مفاسد كثيرة لعل أفدحها وأشدها:- قتل المواهب، والإبداع في مجال التفكير – سد باب الاجتهاد – الخمول والكسل – تكوين طبقة تتزلّف وتتملّق- فقدان حرية الرأي والتعبير – تجاوز البنود واللوائح والمبادئ التي قامت عليها الجماعة – الانقياد للهوى – فقدان بوصلة القيادة –اضطراب السفينة وميَدَانـُها واحتمال غرقها – ضبابية الرؤية والتفرق عن سبيل الله – دخول المتسلقين والوصوليين إلى الصف -انفراط عقد الثقة وتناثر حباته وعدم تماسك الجدار وتفكك لبناته .

فهذه الأفكار والرؤى تراءت لي قبل وأثناء وبعد الحملة الانتخابية والانتخابات، فكان لي موقف من خوضها والمشاركة فيها أصلا ، إذ لم نجن من المشاركة  -وخاصة على مستوى بلديتنا- سوى المرّ وتلويث السّمعة وتشويه الصورة ، وأنا أعجب من الإصرار على المشاركة في بلدتنا وكلنا يعلم مدى ضحالتنا بناءً على ما سبق، فضلا عن القائمة  المعروضة – إن سلّمنا بالمشاركة – ، كذلك الخطاب الخافت الباهت بل والمنفّر المصاحب لها ، إذ لا تميّز فيها ، بل فيه سِباب وتجريح أحيانا للأشخاص والهيئات وهذا مخالف للوصايا والأصول العشرين التي تربينا عليها، فإذا كنا ندّعي بأننا حزب إسلامي فينبغي أن نتميّز ولا ننساق وراء الاستفزازات من كل الاتجاهات والعقل يقتضيأن نتروّى وننظر بعمق للمسائل ونقلبها على كل الوجوه حتى يتسنّى لنا أن نقرر برزانة وتؤدة ما نريده وما نخطط له .

هذه بعض الخواطر والتأملات التي عنّت لي وأنا أعيش زخم الأحداث والوقائع ، أردت بكل ذلك أن أنصح لإخواني وأساهم في ترشيد المسيرة واستعادة زمام المبادرة وفيها الخير إن شاء الله .

فرب ضارة نافعة، فهذه الابتلاءات التي تعرضت لها الجماعة ولا تزال تتعرض لها فيها خير كثير أي إيجابيات شتى ففي الفقرات السابقة تناولت الأسباب وحاولت تشخيص الداء ووصف الدواء ، وفي هذه الفقرة أحاول أن استدرك القراءة الايجابية فهذه النتيجة السلبية ظاهرا هي إيجابية باطنا ، فالمحن في طيّها المِنَحُ دائما مصداقا لقوله تعالى :(( وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (216)  )) البقرة 216

لعل من جملة المِنَح:

  • الرجوع إلى الذات محاسبة ومراقبة.
  • إعادة الاعتبار إلى الجانب التربوي وإعطاءه الأولوية.
  • النظر إلى العواقب وقراءة الأحداث قراءة جديدة تبرز المأمول والمرغوب وتُبْعِدُ السيء والمرهوب.
  • حصول هذه النتيجة استجابة لدعوات المخلصين الذين كانوا يحذرون من مغبّة الانغماس في مستنقع البلدية الآسن المليء بالبكتيريا والطفيليات. الملوّث بالجراثيم أو ما يشبه حقل الألغام الذي لا تعرف خريطته ، ففي كل خطوة زفرة وفي كل نَفَس شهقة ، وفي كل التفاتة خفقة، إذ لا يمكن للنحل أن يعيش في وسط العفن والنتن.
  • كذلك من الإيجابيات أن ندرك يقينا أنّ تغيير الشعوب من أشق أنواع التغيير.

فمهما تقلدنا من مناصب فإنها لا تسعفنا في نسيان المهمة الأساسية وهي الإصلاح ما استطاع الإنسان إلى ذلك سبيلا .

  • تصحيح المفاهيم وتعديل المسارات وضبط الاتجاهات والتوجّهات .
  • معالجة الاختلالات وتحديد الولاءات.
  • عدم التشبث بالأشخاص بل بالمبادئ الثابتة والفِكَر الراسخة.
  • وضوح الرؤية وانجلاء الحقيقة وتمايز الصفوف وتباين المواقف وانكشاف حقائق الناس وبروزهم على طبائعهم وذوبان الطلاءات عن الوجوه وتبيّن الشخصيات: (( فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه.)) الحديث
  • عدم الانخداع بالمظاهر ومعسول الكلام وبيع الأوهام في سوق الكلام.
  • النفاق السياسي والتناقض الصارخ بين الأقوال والأفعال مثلا: الغش حرام ومن الكبائر ،وأذهب إلى الصلاة في المسجد بعد الانتهاء من عملية التزوير الناجحة !!!!

وأخيرا اللهم فقّهنا في ديننا وبصّرنا بعيوبنا وحبّب لنا الإيمان وزيّنه في قلوبنا وكرّه إلينا الكفر والفسوق والعصيان واجعلنا من الراشدين.

 

 بقة برابح “عبد الهادي” بن الحاج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: