مقالات رأي

خذوا العبرة من شقيقتكم الصغرى… !

من منا لا يتذكر إخواننا “التوانسة” عندما قهرهم بن علي و زبانيته , و زرعوا فيهم الخوف و الرعب طيلة عقود من الزمن , كان التونسي لا يستطيع أن يهمس حتى في أذن أخيه من فرط منكر أو ظلم أتى به النظام آنذاك .
مع نهاية الثمانينيات و بداية تسعينيات القرن الماضي, عندما ثار الجزائريون على أوضاعهم المزرية , و كانت الديمقراطية في أوجها , كنا عندما نزور تونس و نجالس إخوتنا في ذلك البلد الطيب , و نكلمهم عن السياسة , نجدهم ينفضون من حولنا و يتركوننا نحدث الطاولة و الكراسي الفارغة .
مع مرور الزمن , كان التونسيون يترقبون كل تحركاتنا , و استبشروا خيرا لما نفض الجزائريون عن أنفسهم غبار الذل و استبداد حكم الحزب الواحد, و ما لبثوا أن حفظوا الدرس باقتدار.
بدأت النخبة التونسية تتحرك ببطء , لكن بخطى ثابتة و محسوبة , فلم يكن انتحار البوعزيزي حرقا إلا القطرة التي أفاضت الكأس , فخرج العمال إلى الشارع تحت لواء الاتحاد العام للشغل التونسيUGTT, (و ليس UGTA التي اختطفها “سيدهم السعيد” و جعل منها غنيمة يعبث بها كيفما شاء) , و انتفض المحامون تحت مظلة نقابتهم التي لم تخلد في منصبها مثلما فعل أقرانهم الجزائريون , حتى أصبحت عملية انتخابهم للعهدة الخامسة و السادسة و الأبدية , مجرد إجراء شكلي مقزز.
و ما فتئت أن لحقت بهم المنظمات الطلابية و بدأ المواطن التونسي ينزع عنه لباس الخوف , و اتسعت رقعة الاحتجاجات مثلما تكبر كرة الثلج , و ما لبثت أن ارتفع معها سقف مطالب التونسيون حتى رفعوا شعار ” BENALI DEGAGE” .
و تخندقت المؤسسة الأمنية و العسكرية في صف الشعب , فخاف الرئيس المخلوع , و ما هي إلا أياما معدودات , ليأتي الخبر اليقين من أحد الثوار يهتف في الشارع” بن علي هرب , بن علي هرب … !
و جمع التونسيون شملهم , و نظموا انتخابات تشريعية و بعدها رئاسية في جو من الشفافية و الديمقراطية , شهد لها العدو قبل الصديق , و نجح من نجح (و الكل نجح).
و بعد عهدة واحدة , ولم آتي لكم بالجديد تبادلت النخبة التونسية الأدوار فيما بينها, فمن كان بالأمس في الحكم أصبح اليوم معارضا , و استمر التزاحم و التدافع بين السلطة و المعارضة حتى أضحى تقليدا يتبعه كل التونسيين بجميع أطيافهم و انتماءاتهم .
تصورا !!!
أصبح البرلمان عندهم يستدعي رئيس الحكومة لمساءلته حول مكافحة الفساد , فقد أعلن بيان عقب اجتماع لرؤساء الكتل البرلمانية أنه قرر عقد جلسة برلمانية لمناقشة الوضع الداخلي في تونس و الحملة التي تقوم بها الحكومة ضد الفساد و رجال الأعمال الفاسدين و شملت اعتقالات أمنية طالت شخصيات سياسية و اقتصادية نافذة بتهمة الفساد المالي و التآمر على أمن الدولة.
و على النقيض تماما عندنا , فقد اجتمعت الكتل البرلمانية, بعد إثبات عضوية أعضاءها , لتتناحر فيما بينها من أجل الظفر بمناصب قيادية في برلمان “المال الوسخ” , أما رجال الأعمال المحسوبين علينا ظلما و بهتانا , فقد أصبحوا هم من يخططون لسياسة الدولة تحت قيادة حداد و من معه , و هم يختارون الوزراء و المسئولين (المسبوقين قضائيا , و منهم حتى المتابعين بتهمة التجسس و التخابر على أمن الدولة , و الذين أدينوا بالسجن , و بعد أن أنهوا محكوميتهم أصبحوا يسيرون شركة تعتبر عصب الحياة للجزائريين , و هي سوناطراك و ما أدراك ما سوناطراك !
و ها هي السنون تمر و الخزينة تنفذ و رؤوس الفساد يتسع نفوذها يوما بعد يوم , و نخبتنا نائمة في العسل , و كأن الأمر لا يعنيها , و الشعب المغلوب على أمره يتفرج و ينتظر الفرج .
أنا لست هنا من أجل أن أحكي لكم قصة لتعجبكم, أو لأرفه عنكم, كما أعرف جيدا أنني لم آتي لكم بالجديد ,إنما هي “ذكرى ِلأولي الألباب” , فهل لا أخذتم العبرة من أختكم الصغرى يا نخب العار !؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: