مقالات رأي

داعِش… على الشاشات و موائدِ الإفطار

لستُ مُدمنة على مُشاهدة التلفاز، لي أكثر من خمس سنوات لم أُتابع ولا برنامج، فقط إطلالات مرة في الخمس أو ست أشهر عندما أتذَّكر أنَّ هُناك اختراع يبُّث البرامج، فأُتجوّل بين برنامج “صباح الخير يا عرب” على قناةMBC1 و برنامج سمكة التونة العنيدة على قناة National Geographic أو أشاهد الرسوم المتحركة على قناة Spacetoon لأعيش طفولتي وأسافر دون مركبة بين كوكبي آكشن و زمردة.
لكن…. ودائماً ما تأتي المفاجآت وراء لكن هاته ! قررت أن “أُقرعِج” على بعض القنوات وأرى ماذا تبُّث في شهر رمضان، فوجدت برامج الطبخ وكعادة البطن العربي الجائع الذي لا يشبع حتى تُنهكه الدهون، وبرامج الفزع وإدخال الخوْف إلى قلوب الناس أو الكاميرا الخفية، لكن … هذا العام سيطرت الدراما الداعشية على المسلسلات، ونجح هذا الوباء في دخول البيوت ومشاركة الصائمين موائد الإفطار لأنَّ الكثير مُدمنين على مشاهدة المسلسلات وعدم تفويت ولا لقطة، نعم نجح هذا التنظيم الأسود في اختراق الشاشات والسيطرة على وسائل الإعلام، أخبروني ما الحل، ما هذا الحال الذي وصلنا له والعائلات تجلس لمشاهدة تلك البرامج مُجتمعة، وتلك اللقطات التي تُحاول أن تُدخل للعقول بأنّ الداعشي يقتل ويسفك الدماء ثم يلجأ لقلب امرأة يُحبها ويُبادلها الكلمات المعسولة وتُبادله هي العطف رغم معرفتها بما ينشره من أفكار مُتطرفة، ما هذا يا ناس … لما هذا التسويق الخاطئ، داعش بلا رحمة وبالتالي ليست لهم أحاسيس فقد شنقوها بأنفسهم وسمحوا للوحش بداخلهم بالسيطرة، كان الأفضل لو مثَّلتم مسلسلات رُعب تُبين الصورة الحقيقية لذاك المرض السرطاني الذي فتك بالمجتمعات العربية وشوَّه صورة الإسلام والمسلمين لكن وا أسفاه نحنُ نُحاول “تغطية الشمس بالغربال” نُحاول التغطية عن حقيقة لا يمكن إخفاؤها فالدواعش لا دين لهم… جماعات أباحت القتال وانتهاك الحرمات، وتجنيد الأطفال الأبرياء وغرس بذرة الشر بأعماقهم، كيف سمحوا لأنفسهم بحمل راية لا إله إلا الله محمد رسول الله كيْف نُصنفهم ضمن البشر وهم يفتكون بالإنسان البريء، ما ذنب القبطي والمسيحي وغيرهم من أصحاب الديانات المختلفة والطوائف العديدة بأن يُذبحوا ويُدفنوا أحياء، هُم مثلنا لهم قلوب وعقول ومبادئ يؤمنون بها هم ضمن سياق الإنسانية، فكيف تأتي يا داعشي وتقتلهم لأنهم على غير دينك أنسيت أنّ لا إكراه في الدين، قال تعالى :” لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ”سورة البقرة الآية 256
القنوات العربية في حالة كارثية، الدراما لا هدف ورائها إلا تضييع الجهد والفكر والأموال، تلك المبالغ الضخمة التي قد تُساهم في تقليل حدة الفقر، اذهب وتجوَّل بشوارعنا العربية صدقني لن تتمالك نفسك، دُموعك لن تتوقف ورِجلاك لن تقدرا على حملك أبداً، أطفال ونساء وشيوخ لم يجدوا لُقمة، يأتي أحدهم ليقول لك اشتري لي خُبزاً وسآكله أمامك، لا أبتغي مالاً أريد إسكات جوعِ بطني، نساء يتجولنَّ تحت الشمس في درجة حرارة توهن الجسد حتى يبعن المناديل أتتخيلون إلى أين وصلت درجة الحاجة حتى بات الرجل يُنادي ببيع كليته حتى يستطيع أن يُعيل نفسه وأهله….
ما حاجتنا في تبذير الأموال لأجل تصوير بشاعة داعش التي ساهمت في تخريب الأوطان وتشريد الشعوب، نحن نرى ذلك جيداً…حسناً حاولوا تقسيم الميزانية بين تصوير تلك البرامج وبين تقديم المساعدات للمحتاجين، الإنسانية تُحتضر وعالمنا العربي يتشتت أكثر وأكثر، وها قد نجح داعش في اختراق بيوتنا عبر شاشات التلفاز ومشاركتنا الإفطار، قد تكون النية بتصوير بشاعته وعدم الالتحاق بركبه، لكننا ساهمنا كذلك في الترويج له ولأفكاره، لا ننظر فقط لأنفسنا وبأننا بذاك الوعي، فالبعض قد يلجأ للالتحاق به نتيجة الإغراءات المادية التي يُقدمها والنفس البشرية ضعيفة، وعند اللجوء إلى تلك الجماعات يكتشف الفرد بأنه ذهب للناحية الخطأ وللأسف يكون الأوان قد فات إذ يجد نفسه قد تورّط في تفجير نفسه أو البدء في الدعوة لنفس الخطأ، إذ لا يتركون لك وقت فراغ للتفكير في بشاعة ما تُقدم عليه.

_______
أُقرعِج: كلمة جزائرية مأخوذة من الفضول الزائد ومحاولة التجسس على خصوصيات غيرنا، ولها نُطق آخر بالشرق

ليندة طرودي

كاتبة ومدونة... باحثة دكتوراه علوم سياسية، مُهتمة بالأدب ... ”القراءة تصنع إنساناً كاملاً، والمشورة تصنع إنساناً مستعداً، والكتابة تصنع إنساناً دقيقاً.“ ― فرانسيس بيكون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: