مقالات رأي

درس أكتوبر 1988

بقلم : الإعلامي عثمان لحياني

لم تكن أحداث أكتوبر 1988 ” شغب أطفال ” كما وصفتها السلطة حينها ، وقد كانت تكذب كما تكذب دائما ، وكما كان يكذب تلفزيونها الوحيد حينها ، والذي افتتح نشرة أخباره في ذلك اليوم بخبر عن ذبابة ” التسي التسي ” في الكونغو ، بينما كانت الشوارع القريبة منه تشتعل .
كان أكتوبر صراع عصب حاكمة أم بلوغ البؤس حد الحناجر، تلك قصة أخرى جديرة بالبحث بالتأكيد ، لكن الدرس الذي نستوعبه من مخرجات أكتوبر ، هو أن التحول الديمقراطي لا يحدث بقرار ولا يتم برغبة ولا ينجز بالنوايا ، في ظل غياب المؤسسات الداعمة والمنوط بها انجاز هذا التحول .
بعد أكتوبر انفردت السلطة التي كانت تدير مرحلة الأحادية الحزبية وحدها بصياغة الدستور الجديد لمرحلة التعددية السياسية ، في غفلة من قوى أكتوبر ، واستبقت السلطة مؤسسات المرحلة السابقة ، بشكلها وروحها كالبرلمان وجهاز إدارة الانتخابات ومؤسسة القضاء ، ودون أن تنتبه القوى التي تمثل الطيف السياسي والمدني الى أن مرحلة انتقالية كانت أكثر من ضرورة ، للقطع مع ممارسات دولة ما قبل أكتوبر، وإنهاء المنظومة السياسية للسلطة وتحرير كامل للجهاز الأمني والمؤسسة العدلية والإعلامية ، وإعادة صياغة النصوص المؤسسة للدولة ، الناظمة للعلاقات الوظيفية ، وتشكيل مؤسسات انتقالية تؤطر مرحلة ما بعد أكتوبر.
لم تكن تلك أولويات القوى الصاعدة والتي أتاح لها أكتوبر الخروج من السرية وحرية التنظم ، بقدر ما كانت توجهها رأسا باتجاه مسار انتخابي هامشي لم يكن يعبر في الحقيقة عن عمق الأزمة الكامنة في الجزائر ، الدولة والمجتمع ، وهو مسار لم يكن حينها أولوية مقارنة مع أولوية بناء النص الديمقراطي .
في الحقيقة لم تتح سيطرة الدولة وأجهزتها السياسية الأمنية على المجال العام والفضاء العمومي في الجزائر قبل أكتوبر 1988، لكوادر التيارات السياسية المحظورة تلقي التكوين الذي يساعد على فهم متطلبات المرحلة وترتيب أولوياتها وتأطير المسار الديمقراطي لاحقا ، في المقابل كانت السلطة ، والمؤسسة الأمنية المتدخلة في الشأن السياسي حينها ، أكثر دربة على إدارة معركة التحول السياسي بأقل كلفة من التنازلات .
ومثلما لم تنجح القوى السياسية ما بعد أكتوبر 1988 في فرض تشكيل وصياغة اطار ناظم للمسار الديمقراطي ، والاكتفاء بهامش الدستور والانتخابات، لم تنجح في الحد من تلاعب السلطة نفسها بهذا المسار الذي استدرج بكامله الى أتون العنف السياسي في التسعينات ، وهو المناخ الذي كانت تتطلع اليه السلطة دائما ، كونه المناخ الذي يتيح لها استعادة زمام الفعل والمبادرة واحتكار العنف المشروع ، ثم الإجهاز سريعا على المنجز الضئيل الذي تحقق حينها من الديمقراطية والحريات بعد أكتوبر .
وبعد كل تلك المرحلة المتناقضة وتداعياتها المفصلية ، يخصم ما تبقى من منجزات أكتوبر من محصلة الراهن السياسي الذي انتهت اليه البلاد ، في علاقة بأزمة الحريات وهشاشة المؤسسة الديمقراطية و تراكم الاخفاقات السياسية والاقتصادية التي تحاصر الجزائر، وفي أزمة النظام البنوية العميقة .
اذا كانت البلاد برسم هذا الراهن تقف سياسيا واقتصاديا عند الحدود نفسها التي كانتها في مناخات أكتوبر ، فان استمرار تلاعب السلطة بالمسار الديمقراطي، وتغيير مفردات النص الدستوري ، وامساكها بعنق المؤسسة العدلية والاعلام والشادر الأمني ، واستبقاء قوى التغيير عند عتبة الهامش الانتخابي، لن ينجز أكثر مما أنجزه أكتوبر، ولن يزيد عن ذاك المنجز سطر .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: