مقالات رأي

ذَاتَ اشتيَاق

يجتاحنا سكون ما، نلجأ لمكان هادئ بعيداً عن ضجيج المدن الصاخِب، في زاويةٍ ما من الغُرفة مترقِّبين ليلة سماؤُها مليئة بالنُجوم: “نبعث سلاماً لغَائِبٍ ما… مع تِلك النجمة المُضيئة للغائِبِ_الحاضِر”.
للاشتياق طقوسٌ أيضاً، تجعل كلماتنا غزيرة، نتبادل الحوار معهم بإسهاب، نتذكَّر كُلَّ التفاصيل في غِيابهم… لكن ما إن يقفوا أمامنا تخُونُنا الكلمات، تتبعثر الحُروف، نقف صامتين بعد سنينٍ من الانتظار وساعاتٍ من التحضير للخطابِ الذي سنُلقيه على نبضَاتهم، لكن رؤيتهُم تُنسينا العتب، نبتسم ونفتح صفحةً بيضاء جديدة… وعيُنا ينشغل بحضُورهم، لا وعينا يُمزِّق صفحات الغياب: “ليبدأ الحضور الجديد”.
للاشتياق توأمٌ وَفِيّ أَلاَ هو الصمت، لا يترك للثرثرة مجال، فحينما يأخذ الاشتياق عُطلته يأتي الصمت ليشغل منصِبه لفترة، وهكذا نرجع لممارسة طقُوس الانتظار: “حتى نجتاز مسافةَ ألف اشتياق بصمتٍ بليغ… يعطي مفاهيمـــــــــــــ عميقة لمن يُجيد فنَّ التأمُّل”.
هكذا البعضُ مِنَّا يُفضِّلُ أسهلَ الطرق للبوح، أو كما يُقال السهلُ الممتنِع: “ألا وهو لغة العيون” لأجل أن يُنقش اللقاء بالقلب والذاكرة، فالبعض ينسى تفاصيل الحديث الطويل، لكنَّه لا ينسى النظرات الصادقة … لا ينسى ولا يتناسى رسائِل بريدُها العيُون وختمُها ابتسامة نقية كقطرة ندى ارتمت بحُضن وردة، لعلَّها تذوب فيها بكلِّ تفاصيل شوْقها… ليكون عطرها ساحةً للبوح الصامت والعبق الشَّجي.
أن تشتاق فأنت في طريقك للبوح الصامت والتأمل العميق، وها نحن اليوم نكتب بحبر الشوق لا غير، نكتُب لهم ولا ندري أين هُم منَّا، ومن رسائلنا المحمَّلة بأطنانٍ من الحنين، لا ندري إِنْ كانت ستصلُهم وتطرق نبضهم، أم أنَّها ستبقى محجوزة في الصندوق المعلَّق بذاك الغُصن…
أتُراه هشّ، قد سقط مرميَّا على حافة الشجرة من زمن، لذا لم ينتبه أحد له ويفتح تِلك الرسائل، أم أنَّهم غادروا أماكنهم القديمة، رحلوا بعيداً عنَّا، أتُراهم يستقبلون رسائل كثيرة أدخلتهُم في دوامة عدم الاكتراث، ووضعتنا موضِع الذكرى الغائبة-العبثية، ماذا يكون ذاك؟ هل هو واقع؟ أم مُجرَّد لحظات كابوسية مُغلَّفة بأحلام كانت وردية، وحين الحقيقة تحوَّلت إلى رماد أحرقهُ الشوق ودمَّر كل سنوات الانتظار الساذجة.
أنا اليوْم أكتُب خارج حدود الوعي، ما خطَّته أناملي فوضى قد تجتاحُنا غفلة، تُقيِّدُ ألسنتنا عن الكلام، نُدمن الصمت، وفي ذات الوقت تُدمننا الحروف، نجتاحُ الأوراق البيضاء بوْحاً، لعلَّنا نغرق مِنَّا وفينا بعيداً عن كلِّ شفقة، وشبه الشفقة وكلِّ دربٍ يقُود إليْها….
نحنُ المُحمَّلون بالشوْق الدائِم لن يُتعبنا الانتظار ما دامَ القلم رفيقنا والأوراق أنيساً لصمتِنا سنحمل أشلائنا ونبني منها طريقاً يقُودنا إلى حيْث الراحة والسلام، وهل تظنُّ؟ لا تفعل، فالظُنون قاتلة، فقط تأمَّل واترك الخلقَ للخالق، الله يتدبَّر كلّ الأمور، ومنها قُلوبنا، لذا أقول لا تكترث لمِزاجيتِك، وتتطاوَل على شوْقِك بالتذمُّر، بل حاول أن تملاُ فراغك بالمُفيد، حتى يسكُنك النسيان وحينما يخطُر ببالك شوْقٌ ما تعيشه بهدوء لأنَّ الذكرى نجحت بحمل عاصفة الحنين… لكن بطريقة مُختلفة هذه المرة، لأنَّها نوْبة شخَّصتها ب: ” ذات شوْق لماضٍ بلا ملامِح…

ليندة طرودي

كاتبة ومدونة... باحثة دكتوراه علوم سياسية، مُهتمة بالأدب ... ”القراءة تصنع إنساناً كاملاً، والمشورة تصنع إنساناً مستعداً، والكتابة تصنع إنساناً دقيقاً.“ ― فرانسيس بيكون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: