مقالات رأي

رحلتي من قواعد الفقه إلى قواعد العشق

لم أكن أتوقع أن دراستي للعلوم الإسلامية -خاصة الفقه وأصوله- ستأخذ بي إلى حضرة العشاق حيث الغزل هو الذِّكْرُ المقدَّس، كانت مفارَقة عجيبة جدًّا أن أنطلق في برنامجٍ لدراسة بعض الكتب المُركَّزة في أصول الفقه خلال مرحلة الليسانس بالكُلِّيَّة؛ فقد قرَّرتُ ذاتَ يومٍ بمقر إقامتي الجامعية في القبة القديمة أن أبدأ بمحاولة استيعاب هذا العلم المهم من علوم الشريعة، كانت تجربةً تستحقُّ التفرُّغَ والتصبُّر، تناولتُ في البداية بعض المتون الصغيرة حتى تكون مصطلحات هذا الفن سلِسة في تعاملي اليومي مع هذا العلم، البداية دومًا مشوِّقة بقدْرِ ما هي صعبة ومُرْهِقة، كلُّ ما أثارني هو كثرة التعريفات واختلاف الأصوليين في مواضعَ من القواعد العلمية لهذا الفن، مما فرَض عليَّ مَزيدا من التركيز، بحيث يكون ضرْبًا من العبث أن أفكِّر ببعض “المُجون” وأنا بين يدي الجويني وأبي حامد الغزالي والبيضاوي وأمثالهم من فحول علم الأصول، كانوا يرمقونني -في كُتُبهم- بنظرات توحي أن الوقت ليس للهو واللعب، كنتُ على قناعة تامَّة بوصيَّة أحد أشياخي “العلم إذا أعطيتَه كُلَّك أعطاك بعضَه”!! وهي وصية متوارَثة منذ سالف الأزمان، لا مجال لتضييع الوقت إذَن.. فالعلم يتطلَّب كما يقول الإمام الفقيه سليمان بن مهران الأعمش “بُكورًا كبكور الغراب وصبرًا كصبر الحمار وحرصًا كحرص الخنزير”، كان الأعمش يضع حكمته في قالَب ساخر حتى يتلقَّفها طلاب العلم الذين كانوا يتوافدون عليه من كل حدب وصوب، ومع سخريته المعروفة كان متشدِّدًا معهم لدرجة أنهم إذا أكثروا عليه الأسئلة أو طالبوه بمزيد من الحِلَق لرواية الأحاديث تعرَّضهم بكلبٍ له حتى يهربوا منه ويتركوه وشأنه ليستريح قليلا من عبء الرواية والتدريس.
كنتُ أستحضر هذه القصص لعلي أظفر ببصيصِ أملٍ لممارسة حقي في “المُجون” خلال طلب العلم أو أثناء مجالسة الفقهاء، حكايات الإمام الأعمش -وقبله الإمام عامر بن شراحيلَ الشعبي- لم تعطني الجرأة رغم كل ذلك، خاصة وأني كنتُ مُحاطًا بثُلَّة من الأصدقاء الذين كانوا يفهمون أن العلم الشرعي هو المرادف الأول والأخير لكلمات مثل: التبتُّل، التزمُّت وغيرهما، إلا أني في قرارة نفسي لم أتحمَّلْ تلك الطريقة في استيعاب المفهوم الخاطئ للدراسات الشرعية الذي كان في تخيُّلاتهم، ولأني اقتحمتُ باب الشِّعْر منذ المرحلة الثانوية أحسستُ بنوعٍ من الأمل، كانت كتابةُ الشِّعر هي المتنفَّسَ الوحيد للخروج من تلك الرتابة المُمِلَّة التي أضْفَوْها على العلوم الإسلامية، فأن أكتُبَ قصيدة يعني أني تخلَّصتُ من مَرارة خلاف جدليٍّ بين الأحناف والجمهور في: هل الفرض هو الواجب أم هما غَيْران؟ على سبيل المثال فقط .. لكن ما حدث بعد ذلك هو ما غيَّر تكيُّفي مع الدراسات الشرعية.
بدأتُ في قراءة كتاب “المذكرة في أصول الفقه” للإمام الشنقيطي -رحمه الله- كان كتابًا زاخرًا بالمعلومات والفوائد على طريقة الشناقطة في الاسترسال واستحضار محفوظاتهم في شتى الفنون من النحو والصرف واللغة والفقهيات والعقيدة وغيرها، كنتُ مندهِشًا بطريقتهم تلك، حرَّكَ فيَّ بعضَ الحماس حتى اقتبستُ منه جذوةً لإيقاد شمعة العلم تارة أخرى، لكنه لم يكن قَبًسا كافيًا لنفسي التي أراها ظَمْأى لطلب العلم، واصلتُ قراءة هذا الكتاب حتى الملحق الأخير منه والذي خصَّصه للدفاع عن حُجِّيَّة القياس والرد على أحد أبرز منكريه .. على رجُل يسمَّى ابنَ حزم!
هنا شعَرتُ بـ”الحيرة والالتباس” ، فقد أغارَ الشنقيطيُّ على خصمه بطريقة غير مُنْصٍفة، كنتُ أحاكِمُ كلام الشنقيطي لأصوله فقط، لأني لم أكن أعرف عن ابن حزم إلا اسمَه لا غيرُ، كل ذلك جعلني أشُدُّ الرِّحال إلى معرفة حقيقة ما يُنسبُ إلى هذا الفقيه الأندلسي الذي يبدو شرِسًا لا نِدًّا سهلا، ومن حسن حظِّي أن المكتبة التي كنتُ أرتادها كانت تحوي بعض كتب ابن حزم، وبطبيعة الحال سأبدأ بقراءتها حتى أعرف سبب المعارك التي أقامها الفقهاء ضده، وهل من الممكن أن يخطئوا جميعًا ليكون هو صاحب الحق وحده؟
في الحقيقة؛ التهَب الحماسُ مرة أخرى وأنا أطالع ترجمةً لهذه الشخصية الغريبة، كانت حياته مليئة بالمنعَطفات “تفقَّه على مذهب مالِكٍ ثم قلَّد الشافعيَّ ثم تبِع مذهب داود الظاهري، ثم خلَع الكُلَّ وادَّعى لنفسه الاجتهاد”، هكذا يتَّهِمُه أحد ألدُّ خصومه وهو القاضي أبو بكر ابنُ العربي من مدينة إشبيلية، لكن ابن العربي اتضح أنه يتبنى المذهب المالكي في الفقهيات والمذهب الأشعري في العقيدة وكلا المذهبين تعرَّضا لحرب ضَروس من طرف ابن حزم، لذا كان متوقَّعًا أن يشُنَّ عليه ابن العربي غارةً للدفاع عن حياض المذهبين اللذين كانا قد بسطا سيطرتهما على أهل الأندلس وإفريقيا بصورة شبه كاملة.
ما زال التنقيب في شخصية ابن حزم جاريًا، قرأت قائمة الكتب التي صنَّفها فإذا هو كما وصفه بعض الباحثين “كالمائدة الملأى بمختلِف أصناف الطعام، يأخذ كل واحد منها ما يشتهيه”، الرجُلُ يكتب في العقيدة والفقه والتاريخ والأصول والطب والمنطق .. و يكتب .. في .. الحب!! مَرَّت عيناني على عنوان “طوق الحمامة”، ظننتُه للوهلة الأولى عنوان رواية لواسيني الأعرج لكنه كتاب للفقيه أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد ابن حزم فعلًا، التفَتُّ ورائي فإذا غبار المعارك الفقهية والأصولية يملأ المكان، تنحَّيْتُ جانبًا وأنا أتأبَّطُ شرًّا، كان بين يديَّ كتاب “طوق الحمامة في الأُلْفة والأُلَّاف”، نظرتُ يمينًا وشمالا لعل فقيهًا يخزُرني بنظرةِ استهجان؛ الحمد لله كنتُ وحدي .. مختليًا بابن حزم وبيننا أوَّلُ كتاب في دستور العُشَّاق ..باب ماهية الحب .. باب من أحبَّ من الأمراء .. باب من أحب من النظرة الأولى .. حينها فقط .. أدركتُ معنى أن يكون الإنسان متخصِّصًا في العلوم الشرعية، إنَّ ذلك يعني مَزيدا من الحب، مَزيدا من الحياة .. هكذا رحلتي من قواعد الفقه إلى قواعد العشق الأربعين !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: