مقالات رأي

سليمان بخليلي وزيرا للتربية

عرفناه منذ الصغر رجل مثقف متعلم صاحب خلق ، يحبه المجتمع الجزائري بجميع شرائحه الصغير قبل الكبير المتعلم والغير المتعلم ، كل البيوت تعرف “خاتم سليمان “. كنا ننتظره بلهفة لا يحل رمضان دون” خاتم سليمان “، أسلوبه الشيق في طرح السؤال وبسمته العريضة المهذبة التي لا تفارقه حتى ولو كان المجيب مخطئا، فيقلب الأمر إلى دعابة وقهقهة طويلة تنسي المتسابق خيبته في عدم النيل بالخاتم . كبرنا على نغم برنامجه ،كانت اختى تكبرني آنذاك، وأحيانا كثيرة تصيب الإجابة فتقفز فرحا وكأنها ظفرت بالخاتم تعض على شفتيها وتقول :بأعلى صوتها ليتني كنت هناك وكالعادة طيلة حلقات الشهر كلما أصابت الإجابة لعنت تواجدنا في أقصى شرق الجزائر .هكذا عرفناه ببرنامجه الذي عرض لأكثر من عشرين سنة، اقتران اسمه فيه بالذهب ربما صدفة أو ربما لسبب رآه المخرج ،أيا كان الدافع فحب الجماهير له وهتافهم باسمه أضاف للذهب لمعة زادت من بريقه .
قد تسألونني لماذا كتبت هاته الأسطر ؟وهل صحيح عرض على الأستاذ “سليمان ” هذا المنصب الرفيع ـ كما يراه العامة ـ ؟ حقيقة ليس لي علم أو ادني فكرة، فعندما تداولت هذه الإشاعة بين أوساط المجتمع ووصلت إلى مسامعي اذكر وقتها أنني ابتسمت وقلت لما لا ؟ فهو رجل كفء، مثقف ومتعلم واكتفيت بالدعاء له بالتوفيق إن كان الأمر صحيحا .
لكن الأمر استجد ذكره صدفة أمامي فانا من قراء ومعجبي صفحة “الأستاذ بخليلي” التي تعد نافذة على الثقافة العربية وموروثنا الوطني من لغة وعادات وتقاليد فهو جزائري حتى النخاع ( هكذا أراه ) كل ما ينشره جدير بالتعليق والتفاعل معه ومع تعدد المادحين والذامين والراضين والناقمين تلقاه رحب الصدر يرد ببراعة الخياط الماهر الذي زاده حبه للقماش معرفة بأذواق الناس ،فلا يمدح حتى النفاق ولا يغلظ حتى القسوة ،الشاهد أنني تدخلت برأي لي عبرت فيه عن وجهة نظري حول نقطة تقلد الأستاذ منصب “وزيرا للتربية ” .
لكنني تفاجئت بالعديد من التدخلات جاءت كردا لي، صراحة ،كانت مخيبة للآمال ،ليس من حيث مبدأ الرفض اوالقبول للطرح ،لا، بالأمر تعدى ذلك بكثير، فمنهم من برر عدم جدارته للمنصب كونه غير حائز على شهادات ولم تنشر له أبحاث أو دراسات ،والأخر يراه غير صالح للمنصب لأنه ليس ابنا للقطاعين (قطاع التربية وقطاع البحث العلمي )وهذا يعد عائق أمام طموحه بان يكون وزيرا مع العلم أن عبارة “ليس ابنا ” هي في حد ذاتها شكلت أمامي اكبر عائق منعني من استيعاب الشرط أو حتى فهمه .
وعندما يتواضع ذلك المعجب المتابع لصفحة الأستاذ يقول عنه هو “مجرد مذيع” لبرنامج فلا علاقة له بمنصب الوزير وحسب فهمي فالتجريد تستعمل لتقليل من الشأن _حاشى لله أن نفعل هذا _فاستغربت لمن هو على قدر من الأهمية كيف يضيع وقته ويتابع ما هو غير مهم أو”مجرد” وحوار الجدل عقيما على صفحة الأستاذ لمن أراد له سبيلا .
أردت من خلال عرضي لهذا الحوار الذي عرجت على مضمونه دون التطرق إليه حرفيا أن اشرح وجهة نظري في هاته المسالة .فالشخص منا لا يحتاج إلى دراسات عليا ولا لأبحاث تنشر في اعرق المجلات العلمية ،ولا إلى مؤتمرات وندوات تكون كإكسسوار تكمل مظهره الخارجي لكي تؤهله لذلك المنصب ، وإلا كيف لإنسان توقف عن تحصيل تعليمه في مراحل جد مبكرة من حياته ( الابتدائي ) بسبب ظروفه المادية الصعبة والتي اضطرته للعمل كماسح للأحذية في شوارع ” ساوباولو “، وكصبي في محطة وقود، ثم حرفي ، وبعد ذلك ميكانيكي لإصلاح السيارات، ثم بائع خضروات كل هذه المهن والظروف لم تمنعه من أن يكون إنسان ذو قيم بل جعلت منه رجلًا قويًا كسب حب الجماهير فانتهى به الحال “رئيسا للبرازيل” . تقلد “لولا داسيلفا” أعلى منصب في الدولة دون أن تكون في سيرته الذاتية أي شهادة لا دنيا ولا عليا انتقل من إنسان مهمش في الدولة إلى مقام الرجل الأول صاحب الكلمة الأولى والأخيرة ، أرجوا أن تكون سيرة هذا الرجل ابلغ رد لمن ربط المنصب بالشهادات كحتمية مطلقة وكذلك لمن يقزم الناس وينقص من شانهم بل ينعتهم بلفظ التجريد التى تستعمل في وصف الأشياء في الأصل .
نعم فانا لست ضد الشهادات إن وجدت ،لكن هذا لا أراه عائق أمام من تخرج من الجامعة ليظفر بأي بمنصب وهذا ينطبق على أستاذنا فهو خريج “معهد اللغة العربية وآدابها “، ألا يعد ذلك الخريج من تلك الجامعة أو ذلك المعهد ابنا شرعيا لقطاع التربية والبحث العلمي أم انه عليه أن يتحصل على الدكتوراه حتى ينسب لقطاعه الأم !!!
تبادر سؤال إلى ذهني، ألا يستحق مثلا أستاذنا في الابتدائي الذي تتلمذ على يده أجيال أن يرشح ليشغل منصب وزيرا للتربية؟ فهو الذي درس للمهندس والطيار و الصحفي والطبيب والكاتب والباحث والعالم والقائمة طويلة……الخ ، فلولاه ما وجد المتعلم والحرفي ،بفضله تنوعت فئات المجتمع فتناغم كل منها مع الأخر ليكونوا معا حياة أفضل ،ألا يستحق هذا الشخص ذلك المنصب !
تلك وجهة نظري قد يعارضها الكثير ويتبناها القليل ،أؤمن أن الوزير أو غيره ممن يتولون أمورنا لكي ينجح في مهمته التي أسندت إليه ،عليه أولا، أن يحظى بجيش يعينه على أمر رعيته أن تكون معه كوادر وكفاءات كل يفيده حسب منصبه وعلمه ، فتتشكل لديه سلسلة تربط القاعدة بالهرم ،فكلما كانت الحلقات قوية ومتماسكة استطاع هو ان ينجح في مهامه .
في الأخير، ومع تقلب الموازين،وتغير المفاهيم ، أصبحن نسمي تلك المسؤوليات “بحقائب “لا “أمانات” تلقى على عاتق الرجال فتؤرق نومهم وتفسد عليهم هنيء معيشتهم فهي كانت تكليف وليست تشريف ،وإذا قال أستاذنا انه لا يريد هذا المنصب وغير راغبا فيه فهو ليس لعدم كفاءته لتسيير القطاع إنما إشفاقا على نفسه من حجم المسؤولية التي أبكت كبار السلف وقال فيها عمر بن الخطاب مقولته الشهيرة “ويلك يا عمر لوان بغلة تعثرت في العراق لسئل عنها عمر لما لم تمهد لها الطريق “

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: