مقالات رأي

عن الجيل الذي سيبني البلاد…

أستعد للخروج صباحا ، فيوقفني صدى أصواتهم التي تتردد في الأرجاء و تعلو لتناطح السحاب ، ينشدون بصوت رجل واحد ألحانا شجية تبعث في جسدي القشعريرة فأتخيل وقفتهم المعتدلة المهيبة في صفوف منتظمة و كأنهم يؤدون استعراضا عسكريا ،و إنه ليخيل للمار من هناك أن المدينة تعيش عرسا وطنيا .
للحظة .. تمر أمامي أطياف بعض الشهداء ممن ترسخت صورهم في ذهني . لالة فاطمة نسومر بوقفتها تلك .. وقفة الرجال .. امرأة بألف رجل ، زيغود يوسف بقبعته الفلاحية التي تحمل رائحة تراث شعب بأكمله، مصطفى بن بولعيد بنظرته الثاقبة ، حسيبة بن بوعلي بطلتها البهية و وجهها الساحر ، عمار الصغير بنظارته المكسرة.. تلك التي عششت في زوايا ذاكرتي منذ أن رأيتها في متحف الجيش ، و أخيرا سيد الرجال: العربي بن مهيدي بابتسامته الطاهرة التي تخفي خلفها إرادة و إصرارا لا يقهران.
أتخيلهم جميعا و هم يحومون حول جموع التلاميذ أثناء أداء تحية العلم الصباحية ، يرددون: لأجل هذا سقينا الأرض بدمائنا و دفنا تحتها أوجاعنا و آلامنا ، لأجل أن نشهد هذه اللحظة ، فاشهد ذلك أيها العالم !
أردد أنا : فاشهدوا .. فاشهدوا .. فاشهدوا
تنقطع الأصوات فجأة و تختفي معها الأطياف . أتخيل التلاميذ في صفوفهم يستعدون لدخول الأقسام و قلوبهم تشتعل حماسة ، أما قلبي أنا فيشتعل غبطة و سرورا ، أخيرا و بعد انتظار قد طال ، ها قد ظهر الجيل الذي سيبني البلاد ، هذا هو الجيل الذي سيعيد للجزائر هيبتها ، إنهم مع سنهم الصغيرة و براءتهم التي تشع من عيونهم البراقة لا يدركون بكل تأكيد فلسفة الثورة التي طهرت ترابهم من قذارة احتلته لأزيد من مئة عام ، لكن طريقة ترديدهم للنشيد الوطني توحي بتقديرهم لتضحيات الشهداء و احترامهم لمبادئ الثورة التي مزقت بسكاكين الغدر و الخيانة و إن كانت عقولهم الصغيرة لم تستوعبها بعد .
أنظر إلى السماء ، تخرج مني تنهيدة طويلة تطرد فرحي و سروري ، أولم يكرر الجيل الذي سبقنا نفس الكلام ؟! هل يعول على جيلنا ؟! أشك في ذلك .. بل أعتقد اعتقادا جازما .. لا .. للأسف !
هل يمكن إذن أن ألقي بآمالي كلها على هذا الجيل اللاحق ؟!
هل منحناه ما يكفي لننتظر منه كل هذا العطاء ؟!
أتذكر أولئك التلاميذ من جديد ، بابتساماتهم البريئة الساحرة فأبتسم .. ثم لا تلبث ابتسامتي لحظة من الزمن حتى تختفي ، أستعرض في ذاكرتي قبسا من المشاهد التي مرت علي أو حتى تلك التي عشتها .
تحضرني أولا صورة أختاي الصغيرتان و هما تقلدان المعلم الذي يدرسهما اللغة الفرنسية و ترويان لي ملخص ما يجري من أحداث بينه و بين تلاميذه خلال الحصة أو حين أسمع من إحداهما ألفاظا فظة غليظة فأنهرها لكنها تقول لي بغرابة : و ماذا في هذا ؟! الموسيو ( le monsieur ) _ و قصدها المعلم _ يتحدث هكذا !
ينقبض قلبي فجأة فأمحو الصورة من أمامي لأستحضر مشهدا آخر يستحيل أن أنساه : معلمتي _ التي مازلت حائرة في أمرها لحد الآن ؛ هل هي تستحق مني كل التقدير أم بعضه ؟ أم لا شيء منه؟ _ تردد أمامنا : سنستبدل حصة الأشغال بحصة الرياضيات : ” نحلو تمارين فالرياضيات يفيدوكم خير من داك الشكيل ” أو حين تحرمنا من حصة الرياضة لتحل محلها حصة الرياضيات ، مجددا ! و في دفتر العلامات تمنح القسم كله العلامة الكاملة قائلة : ” كامل تعرفو تنڨزو ” و الغريب في الأمر أنها نفس الشخص الذي علمنا أن العقل السليم في الجسم السليم ، تناقض عجيب حقا ! ربما كانت نياتها حسنة لكنها اقترفت خطأ فادحا حين حرمتنا من وسائل الترفيه الوحيدة التي تحسن من نفسية التلميذ و تزيد من نسبة إنتاجه و لست أشك أنها كانت السبب في كره الكثيرين ممن تتلمذوا على يدها لمادة الرياضيات ، على أنني أعتبر نفسي من المحظوظين جدا لأنني كنت أجعل من عطلي الصيفية كلها حصة رسم و أشغال يدوية و فسحة لممارسة الرياضة و لأن أمي _ بحكم عشقها للرياضيات _ زرعت في نفسي حب هذه المادة فلم أمقتها يوما بسبب تلك الجرعات الزائدة التي أخذتها في سنواتي الدراسية الأولى . أدرك الآن أن معلمتي ستستاء مني لو قرأت كلامي هذا ، فعذرا على صراحتي .
يزداد قلبي انقباضا حين أتذكر مشهدا آخر : أم تجلس بجانبها طفلة في مثل عمر هؤلاء التلاميذ ، تحتضن بإحدى يديها رضيعتها و باليد الأخرى تمسك هاتفها و تعتذر للشخص الذي تتصل به بعبارات مبررة لا تخلو من كلمات كاذبة ، لا أستغرب الآن حين أجد أن معظم الكلام الذي يتفوه به أبناء تلك الأم كذب في كذب. ” إذا كان رب البيت على الدف ضارب فشيمة أهل البيت له الرقص ” .
يتدفق سيل من المشاهد برأسي ، فأوقفها كلها قبل أن تسبب لي جلطة دماغية ثم أتساءل مرة أخرى : فعلا .. ما الذي منحناه لهذا الجيل؟
تعليم بدون تربية ، معلمون دون المستوى _الأخلاقي و الثقافي _ إلا من رحم ربك ، مربون بأخطاء كارثية تقع على الصغار وقع الفأس على قطعة الخشب مخلفة أشلاء إنسان ، مناهج تدميرية تقتل روح البحث و الإكتشاف و الإبداع بداخل الطفل ، أسرة مفككة بقواعد هشة مبنية على أسس من المظاهر المزيفة ، آباء مهملون لا صلة لهم بالمسؤولية ، وظيفتهم هي الإنجاب و ترك الأبناء ليتربوا في عز التلفاز ثم المدرسة و الشارع ، تكنولوجيا دمرت ما بقي لهم من روح الطفولة و الإنسانية . فماذا بقي لنا أن ننتظر من هذا الجيل الذي دمرناه و نحن بكامل قوانا العقلية ؟ و هل يجني زارع السدر إلا شوكا ؟! ولتنتظري يا جزائر الشهداء جيلا آخر ليعيد إليك مجدا هو الآن في طي النسيان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: