مقالات رأي

في ظلال التقشف !!

يتساءل مواطن بسيط عن كيفية تكييف دنانيره المعدودات مع تحديات القرن كما يعتبرها هو و المتمثلة _ليس على سبيل الحصر طبعا_ في الدخول المدرسي الجديد و تزامنه مع عيد الأضحى ، لم يعد المواطن الجزائري مخيرا بين أمرين اثنين كما كان حاله السنوات الماضية ، ففي عز البحبوحة المالية و جنّاتِ نفط تجري من تحتها الأموال لم يكن المواطن الجزائري المتوسط قادرا على أن يسُد حاجاته و متطلباته المعيشية كاملةً فما بالك ونحن نتجرع حنظل التقشف المر و نشاهد قيمةَ و قَدْرَ و وزن دينارنا المسكين يتداعى و يتهاوى إلى أسفل سافل العملات من غير أن
نملك له حولا و لا قوة !!

إنّ هذه القَبضة و الشدّة الإقتصادية التي تعيشها بلادنا حاليا ستلقي حتما بظلالها السوداء على مختلف القطاعات الحياتية المختلفة و قد حدث ذلك بالفعل ، فكم من مشروعِ تنميةٍ محلية و وطنية توقف قبل أن يبدأ و كم من برامج إجتماعية و حضرية و عمرانية كانت مسطرة و تم عقد النية على انطلاق أشغالها ثم توقفت عند إعطاء إشارة البدء فيها لأنّ مسطرة التمويل قد كُسِرت أو أنّ وحداتها الدينارية لم تعد قادرة على تغطيتها و التعجيل بإنجازها مشوَهَةً لا تطابق صورتها في الهياكل و الأوراق التصميمة و في الفيديوهات ثلاثية الأبعاد الغاوية المضلة و المعلقة للآمال فقط !! . و غيرُها من البرامج و المشاريع كثيرٌ مِمّا يعجز الإنسان عن عدّها أو إحصائها و كأنّها ظهرت للوجود من عَدَمِ الوجود و ما يسعنا هنا إلا ترديد مقولة عامِيّة نرددها نحن الجزائريون كثيرا : “تجي تفهم تحير” ! ، إلا أنّ المريب في الأمر كيف حدث لهذه المشاريع و أن توقفت آنيا بمجرد تهاوي أسعار النفط مباشرة ؟ ، أليس لهذه المشاريع أَمَدٌ خاصٌ بمواصلة الإنجاز و تطور الأشغال فيها حتى لو طرأت أيّ أزمة فجائية مهما كانت حدتها أو طبيعتها ؟ ، إنها مفارقة لا تخفى على عاقلٍ حريص على تقدم وطنه و حسن سير وتيرة التنمية بأنواعها في أضلع نظامه الإقتصادي ، فهل من مجيب يجيب المتسائل و قد سأل !!!

ليس تزيدا إن جزمنا بأنّ المشاريع التنموية الصغيرة و المتوسطة هي دعامة المجتمع الأساسية و من خلال وجودها و كثرتها يستشعر المواطن بأنّ الدولة قريبة منه و تُعنى بتدبير أموره و الإستجابة لمطالبه بدءا من منزله و حيّه إلى سائر أحياء بلديته ، هذا لا يكون طبعا إلّا إذا فُعِّلت تلك المشاريع التنموية الصغيرة و المتوسطة آنفة البيان ، فمن البديهي أنّ أقرب هيئة سياسية من الشعب هي المجالس الشعبية البلدية المنتخبة ثم المجالس الولائية و هلُمّ صعودا ، فكيف يُعقل أن تتوقف كل المشاريع التنموية الخاصة بتطوير البلديات و هذه الأخيرة تُعتبر نواةً في خلية كبيرة هي المجتمع ، بيولوجيا إذا تضررت النواة فإنّ الخلية الأم ستضمحل لا محالة ، و لنُسقط هذه الحقيقة العلمية على البلدية(النواة) و المجتمع (الخلية) لتتضح لنا أهمية هذه التراتبية الأولوية في تحقيق التنمية المنشودة .

من النافل القول أو الجزم بأنّ سوء التسيير و عدم تقدير العواقب المحتملة و الإستشرافات الإقتصادية المخلة بالأسس و القواعد الصحيحة للإستشراف الإقتصادي الصحيح هي عوامل أساسية ساهمت في الإسدال السريع و الخاطف لستار التقشف بقماشه الغليظ و حجب كل منافذ الترف و البذخ المادي التي استفحلت في أيّام البحبوحة ، لكن السؤال الذي ملّ من طرح نفسه مرارا و تكرارا : هل من خلال فرض قوانين و إجراءات تقشفية على مواطن أجره القاعدي يعادل وجبة غذاءٍ لدى بعضٍ من المسؤولين في إحدى المطاعم الفاخرة هو إجراءٌ رشيد يستحق منا التهليل و التصفيق و أن نستبشر به خيرا في ما يخص مستقبل البلاد و العباد ؟ ، أيُعقل أن نتجاوز أزمة إقتصادية حقيقية تفرضها علينا تداعيات سوق النفط في الأسواق العالمية بمنعنا لإستيراد مواد التجميل و الكاتشاب و المايونيز و نحن في المقابل نستورد على ظهر الدولة الشيبس الخاص بالقطط و هلام الشعر الخاص “بالكانيش” و أطنانا مطننة من الألعاب النارية التي يعادل سعر بعض القطع منها ما يجنيه عاملٌ أجيرٌ في ورشة بناء طيلة شهر كامل من العمل ! ، و هل يعقل أن نصدّر حاويات تجارية فارغة على أساس أنها تحوي منتجات محلية الصنع داعمة و مُوازنة لكفتي الميزان الإقتصاد الوطني ليتم جلبها معبأة بسلع تجارية غيرُ معروفٍ مصدرها و لا نوعيتها لتغزوا سوقنا الوطنية و تفتكَ بعملتنا الوطنية و كل هذا على حساب إقتصادنا الوطني و الإختلال الرهيب لكفتيه من الصادرات و الواردات حتى بات حُلم كثيرٍ من المحللين الإقتصاديين أن يَمُدّ الله في أعمارهم ليشهدوا رُجوح كفتي هذا الميزان و لو لحين صغير من الزمن؟!

أستغرب في أحيان كثيرة من أقوال أو ردودِ فعلِ عددٍ كبير من المواطنين الجزائريين لمّا يتم سُؤالهم عن رأيهم في حالة التقشف و تقهقر صحة إقتصادنا الوطني فتجدهم غالبا ما يكررون عبارات من مثل عبارة : “هات تخطي راسي” أو “إقتصادهم هوما ماشي إقتصادنا ، حنا الزوالية مرانا رابحين والو” ، هذه الأقوال و الردود تنم عن جهل حقيقي بالواقع الإقتصادي للبلاد و كيفية تسيير شؤونها ، كيف للأمر أن “يخطي راسك” و أنت من يدفع مختلف الزيادات الضريبية و يُحرم من كلّ فرص الزيادات في الأجور القاعدية ، و كيف تقول بأنّ الإقتصاد إقتصادهم و أنت من تعتبر جزءا هاما من الإقتصاد الوطني لأنّ أجرك الذي تسحبه نهاية كل شهر و أجور أقرانك من اليد العاملة المحلية يندرج ضمن نفقات الدولة و الحديث يطول و الأمثلة تتعدد فكيف تعتبر الأمر لا يعنيك !!!

التقشف كالمخدر الطبيِّ الوضعي تماما ، يخفف الألم و لكن لفترة قصيرة و إن لم يُعجِّل الطبيب الجرّاح بعمليته الجراحية و تنظيف الجرح و تقطيبه فإنّ المريض وحده و لا أحد سواه سيتحمل ألم الجراحة ، عندها تتأكد صحة مقولة “هات تخطي راسي” من عدمها !!!!!

يونس بلخام

younesbelkham

يونس بلخام طالب جامعي عشريني تخصص مالية و محاسبة ، مهتم بالشؤون السياسية و الإجتماعية المحلية و الدولية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: