مقالات رأي

لاجئين للإنسانية

و انتهى الأمر …
قتل قابيل هابيل، و اتخذت منذ ذلك اليوم الإنسانية منحى الصراع و الاختلاف، و لم يعد سكان الأرض ستة، أو ستة مئة، بل تجاوزوا الستة مليار نسمة بكثير، و عبر التاريخ، تشكلت الأوطان، و حفرت الأعراق، و اختلفت، و تطورت الأجناس، من الإنسان الإفريقي الأسود، إلى الإنسان الأوربي الأشقر، إلى الإنسان الصيني الأصفر، و الهندي الأحمر، و مهما اختلفت ألوان الإنسانية، فهي تتشابه في الجوهر، مهما ابتعدت جغرافيا، فهي تتفق روحيا، فالدارس، أو أي قارئ بسيط للتاريخ، سيدرك العدد الهائل من الصدف التي تجعل حضارتين متباعدتين، لم تحتكا ببعضيهما أبدا، تتشابه في أساطيرها، و ترجمتها للوجود تشابها صارخا.
و على الرغم، فلا يكاد يخلو اصطدام حضارتين، أو فكرين، من نشوب حرب بينهما، فالاختلاف، طال ما كان، و لا زال تلك الأقلية، المثيرة للفتن و البلبلة.
تشابهت الأهداف، و اختلفت السبل أو تشابهت، و لم يكد العالم منذ قابيل و هابيل ، أن يجد فترات للسلام.
و اليوم الخلاف صار أكثر تدميرا من ذي قبل، بفضل الأسلحة المتطورة، و خطر الحرب النووية المحدق.
ألفريد نوبل مخترع الديناميت، كان متفائلا بخصوص تطور السلاح، و يقول، أنه في الوقت الذي سيستطيع فيه جيش تدمير الآخر في غضون ثوان، فإن الحروب ستنتهي إلى الأبد.
لكن السيد نوبل، لم يضع في حساباته، لائحة الدول الفقيرة التي لن تتمكن من شراء هكذا أسلحة ثقيلة، و أن هذه الدول قد تكون فريسة سهلة للمتربصين بثرواتها الخام، و أن الجهل فيها سيحول إلى حروب أهلية، و عرقية، تنهشها من الداخل.
و مع الأسف هذا ما يعيشه عالم اليوم، فإن استثنينا القضية الفلسطينية، فإن جل الحروب الأخرى، إنما هي صراعات طائفية انتشرت بسبب الجهل و التعصب، و البحث في الخلاف أكثر من التشابه، فنسي الإنسان انتماءه البشري، و ضيق على نفسه الخناق، في دين أو عرق، أو جنس.
و كي لا تبقى في صفوف المتفرجين فإن الدول الأكثر تقدما، لا تنفك تتدخل في قضايا هذه الدول المتصارعة، و الله أعلم بالنوايا.
فانقسمت الإنسانية إلى لاجئين ، دول تستقبل اللاجئين، و دول ترفضهم، فلا أظن أن الإنسانية في طيات تاريخها، عرفت عارا أكبر من ذاك الذي تعيشه اليوم.
الإنسان ليحقق غايته في الربح، و الهيمنة و الاستحواذ، و فرض عرقه و عقيدته، لا زال في القرن الواحد و العشرين يستعمل ذات الوسائل البربرية، و ينسى بذلك روحه الحقيقية، المتجلية في كونه منبثقا من أصل واحد، سواء أ تخذنا المهج الديني المحض و العلمي المحض، و كذا أنه يعيش في موطن واحد، و يقابل مصيرا موحد، غير أنه يصر إلى أن يجعل الفروق أعمق و أعمق.
فهل الإجرام فطرة إنسانية.
كل الإنسانية اليوم تحتاج للجوء، للجوء إلى إنسانيتها، لتنقض نفسها من هذا العار الذي تحقق لنفسها، و أن تفكر، بأنها مراقبة، و إن كانت ملحدة، فهي مراقبة بمستقبلها، بتاريخها، بأبناءها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: