مقالات رأي

لا تسألني عن التفاصيل

أن تسأل شخص بما يحيط به علما فهذا من العادي والمقبول في مجتمعنا الذي أصبح أفراده لا يجيدون سوى مهنة التنقيب عن المستور، فيعبثون بالمسموح والمحذور غير أبهين بحرمات بعضهم البعض، لكن الذي لم يتقبله عقلي ،أن نسأل عما لم نحط به خبرا !،كسؤالك عن موعد زفافها الذي لا علم لها به، ليس لإن التاريخ لم يحدد بعد ،فالأمر اجلّ من ذلك ،فهي لم ترزق بعد بالعريس، والمضحك أن السائل يعلم أنها غير مخطوبة ،ثم ليزيد من خفة دمه فيتبع كلامه بنصيحة من ذهب ،” بنيتي عليك أن تتعجلي وإلا فاتك القطار !!”
تقول لي : تصوري معي أن تتعرضي لهذا الموقف أكثر من مرة في اليوم ،كيف لي أن أتحكم بأعصابي وكم مرة سأكون لطيفة مع ذلك السائل؟، فهو لا يعلم قدر الإحراج الذي يوقعني فيه فضوله ، تخونني الكلمات والتعبير، فتتسع حدقة عيني ويقشعر بدني فأجد جوارحي سباقة لتنال منه ، فأقوم بتهدئتها بابتسامة أتريث من خلالها لأتخير كلامي خشية الوقوع في وحل الوقاحة .أأقول لك أن الزواج رزق ، وان نصيبي بيد خالقي ،فهو لم يهديني بعد قرة عيني ، أم أتهكم عليك وارد السؤال بالسؤال !! أين سوق الرجال خالتي؟ لابتاع لنفسي خيرتهم دليني الطريق إن كنت عالمة بهذا ؟؟ أما عن القطار، فلا باس إن فاتني فانا لا أحبذه ،فلا باس بانتظار الطائرة التي تنقل زوجي المستقبلي ،وبعد صراع الكلمات بداخلي اختصر الاجابة كابتسامتي وأقول لها ” كل شيء نصيب ومكتوب ” وانصرف عنها محتسبة الله في امري .

لا تسأل امرأة متى ستنجبين مولودك الأول ؟ليته توقف عند هذا القدر من التطفل ، بل تراه يلح أكثر فأكثر لمعرفة سبب عدم حصول الحمل ، كيف للسائل أن لا يستحي وهو يعبث بخصوصية تلك المرأة !، ألم يخطر ببالك ولو لثانية انك قد تجرحها، فتتمنى لو انشقت الأرض وابتلعتها ، لربما كانت تشكو مانعا أخر إنجابها لا تريد ان تفصح عنه أو تخفي سر عقم أرادت كتمانه ،فمن أنت أيها السائل لتتطفل وتعطي لنفسك الضوء الأخضر لتنتهك حرمة الآخرين .
لا تسأل من بوجهه صفرة حجبت نوره فهزل جسمه فجأة ودون سابق إنذار أو من ترى سحابة حزن رسمت على ملامحه فمنعته إشراقه ، فما بالك إذا قابلته اختصرت التحية حتى تعطيه تقريرا شاملا،وكأنك مرآته التي تصدقه القول، وفي الأخير تلزمه الإجابة عن كل ما جادت به قريحتك من تساؤلات، عزيزي السائل لا دخل لك بلون وجهه ان كان اصفرا أو ورديا فأنت لست رسام لتفعل، وليس من حقك أن تزيد من مخاوفه بصياحك في وجهه” أراك لست بخير “!!فأنت لست طبيبه لتعالجه ،ربما يشكوا علة أرهقت جسمه أو كان به هما لا يريد الإفصاح عنه ويرى أن الشكوى لغير الله مذلة فيرى في سجوده لله خير دواء ا،فاتق الله أيها السائل.
لا تسأله لماذا أصبح شاب ولم يتزوج بعد ؟ لا تسأله عن أسباب عزوفه عن الزواج، بل نجد من ينصب نفسه وصيا عن الآخرين فيقرر لهم ما يصح وما لا يصح ،أتريده أن يخبرك انه لا يستطيع فتح بيت لسبب جد تافه كونه مفلس، فهو لا يحمل بين يديه سوى شهادة نال منها الغبار أو يحدثك عن عدد الأبواب التي دقها عله يغتنم فرصة للعمل دون جدوى ،أم يعد لك عدد المسابقات التي خاضها ولم ينجح ،أم أتريده أن يحدثك عن شعره الأسود كيف بدا الشيب يخالطه ، حتما سيصرخ في وجهك غضبا لأنك حكمت عليه دون أن تعرف ما بداخله ، حينها فقط سيحمر وجهك خجلا وتقول عذرا لم أكن اعلم !
اتركوا الخلق لخالقهم وكفانا تطفلا عن شؤون بعضنا البعض الم ينهانا رسولنا الكريم عن كثرة السؤال وتتبع عورات الناس حتي أن الله اختص لنفسه اسم “الستار” وجعله من أسمائه الحسنى فلو تدبرنا أسراره ومعانيه لاكتفينا بإلقاء تحية الإسلام والتبسم في وجه من نقابله فتزيد بذلك حسناتنا ونتعلم كيف نحترم خصوصيات بعضنا البعض .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: