مقالات رأي

لعنة الراتب

“اشتهيت يوما ان اقبض راتبي دون أن يفلت مني، أراه يتبعثر هنا وهناك كأوراق الخريف ،اعد أيام الشهر واخشي إذا تباطأت أن تحرجني فترهق الطلبات كاهلي ولا يحفظ ماء وجهي “. هذه الأمنية يرددها كل عامل في بلدي وان تغيرت الألفاظ فالتعبير واحدا.
ركبت سيارة الأجرة قاصدة السوق لشراء حاجياتي ، وكالعادة لا يحلو الطريق دون تبادل القصص وتناقل الأخبار، و الأكيد أن كل راكبا فيها مهما اختلفت ثقافته وتنوعت أفكاره فانه يترك بصمة عالقة في ذهن ذلك السائق ، وهذا ما يجعله يحجز مكانه بين فئة المثقفين ـ هذا رأي ـ مصدراه المذياع والزبون، الأول يشغله إذا عم السكون وتسلل الملل بينهم ،أما الثاني فما أن يضع حزام الأمان حتى يدخلا في نقاش عميق متشعب الأطراف وأنت تستمع لحديثهم يخيل إليك تواجدك بإحدى البرامج الحوارية على قناة إخبارية كان موضوعنا يومها مبرمجا طبقا لأحداث الساعة ، صاح السائق” تبا لم أتمكن هذا اليوم من شراء أضحية العيد لغلاء سوق المواشي” وقال الراكب: وأنا كذلك راتبي لم يخول لي ذلك ،فرجعت إلى أولادي خاوي اليدين وتحججت بتعبي في العمل وقلت لهم غدا موعدنا إن شاء الله .
تأثرت كثيرا وتأسفت لما يحدث ،كيف تحولت الأضحية من مظهر ديني إلى مظهر تجاري، بل أصبحت مكسبا يسيل لعاب التجار ،بات موسم الذبح والحج كابوسا يؤرق الرجال ويمنعهم النوم، و أنت تراقب أحاديثهم عن هذه المناسبة العظيمة تجدهم مغيبين تماما عن الجانب الإيماني فيها ،تائهين بين عجز رواتبهم وقلة حيلتهم في إسكات بكاء أطفالهم ، هم ّ الراتب أنساهم فرحة إحياء سنة أبيهم إبراهيم ، فلا احد منهم يحدثك عن رهبة المشهد الذي خص به الله عز وجل أبينا إبراهيم الذي اختبر في فلذة كبده ولم يتوارى في تطبيق أمر ربه بان يذبح ولده ، وعن شجاعة سيدنا إسماعيل لن تجد من يكلمك ، يثيرون شفقتك وكأنهم يمرون بظرف صعب لا موقفا جليلا تخشع له القلوب .
أيعقل أن يتفوق ثمن الأضحية عن الراتب في بلد مسلم !! هاهي أيام ذي الحجة تنفلت يوما بعد يوم ، ولم يوفق بعد في شراء أضحيته ، كيف للمسلم إذن أن يعيش مع ربه تلك الوقفات الإيمانية قلبا وقالبا ؟كيف له أن يتحسس عظيم نعمته لقوله ” وفديناه بذبح عظيم “.عفوا عن أي عظيم نتكلم ،ونحن في زمن تعجز فيه الأمة عن إحياء شعائرها الدينية ، فحوارهم هذا المتعب للقلب والمستفز للمشاعر ذكرني بحال الفقير والمسكين وعن حال اليتيم دمعت عيناي ،فعظم السؤال في نفسي إذا كان هذا حال من يملك راتبا وعجز عن شراء أضحية العيد ؟ فما بالك بمن يملك قوت يومه برحمة من الله ،إذا لم يأكل هؤلاء اللحم في هاته المناسبة المباركة متى يأكلونه؟
استحييت من نفسي ، عندما غضبت وضجرت لعدم تمكني من قضاء عطلة الصيف ،فلقد لعنت راتبي ألف مرة لأنه لم يمنحني التأشيرة لزيارة تلك البلدان التي تتباهى بسحر شواطئها وروعة معالمها ،فكرت وخططت لكن عبسا فعلت وكالعادة لم تتخطى أحلامي في السفر أدراجها ،فكلما تصفحت وكالات السفر وعروضها الفاتحة للشهية تأكدت أن الآمر أشبه بالخيال فما عدت افرق أين العلة، أهو راتبي الذي يشبه كل شيء إلا نفسه ؟ أم أن عروضهم مبالغ فيها ،وفي خضم هذا الجدل الذي مازلت أسعى لأجد له حلا ، احمل جواز سفري و اعتذر منه طويلا فبعد تعقيدات استخراجه ومتطلبات أوراقه الرسمية التي تستخرج من هنا وهناك وفي الأخير بعد هذا العناء يلقى حدفه قابعا أدراج الخزانة ،ومع تكرار عملية الخذلان في كل صيف من قبل راتبنا الكريم – طيب الله ثراه – تجده منتهي الصلاحية دون أن يحظى ولو بتأشيرة .
وفي الأخير، ما زاد الطين بله ،تزامن الدخول المدرسي مع عيد الأضحى المبارك ،لتتأزم الأوضاع أكثر وتزيد من خيبات ذلك الراتب الذي أصبح عاجزا تماما عن تلبية متطلبات الحياة ،كعجز إنسان أتاه شلل رباعي وساترك لخيالك أن تتصور ما أل إليه وضعه.
ختام القول كان الله في عون عباده ،وأعانكم على قضاء حوائجكم ،أما أنا سأردد بصوت عالي ” تبا لراتبي “كما قالها السائق !!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: