مقالات رأي

لماذا ترك الشباب الاهتمام بالسياسة

ترون كما يرى الجميع وتبصرون كما يبصر الكل، أنه مع إطلالة أي موعد انتخابي، تلوح في الأفق مسألة مشاركة الشباب في إنجاح الاقتراع وهذا الحديث في حد ذاته يبين مدى أهميتهم في العمل السياسي من جانب وعزوفهم من جانب آخر، إذاً لو كان الشباب حقاً مهتما بالشأن السياسي لما طُرحت هذه المسألة ولَما شغلت بال الكثيرين، لكن ثمّة سؤالا عريضا يُطرح، لماذا هذا العزوف؟ ولماذا يُغَيَّبُ الشباب عندما يتعلق الأمر بالأحزاب؟ إن المتأمل في واقع الأحزاب السياسية في الجزائر تجعله يقف أمام مفارقة عجيبة جدا، في أن الأحزاب تنادي بملء فمها عن رغبتها في ضمّ الشباب إلى صفوفها، في حين لا تقدّم -معظمها- لهم خطابا فكريا يرقى الى تطلعاتهم، أو حتى تخصص لهم أيّ موقع داخل لجانها المتفرعة، مما يوحي أنها لا تريد الشباب سوى من أجل رفع عدد منخرطيها وناخبيها وإيهام الرأي العام أن لها قاعدة شبابية مهمّة، والدليل أنه لن يُعثر عن أيّ شاب دون سن الخامسة والعشرين داخل المكتب المسيّر لأيّ حزب، وهذا بالطبع نتفق فيه جميعا أنه ما هو إلا محاولة لإبعاد أي شاب عن مراكز القيادة واتخاذ القرار.
إن النظرة السائدة اليوم لدى غالبية الشباب في الجزائر هي نظرة تشاؤمية وساخرة اتجاه كل ما هو سياسي، هذه النظرة التي تجذّرت رغم كل محاولات دراسة جذورها والعمل على تقويم أسبابها من أجل اقتلاعها ومحوها، نظرة يتحمل تبعاتها كل النخب السياسية. إن الحاجة الماسّة والملحة لاستمالة الشباب تتطلب خطابا فكريا متطوراً وزارعا للثقة، قادرا على اقناع هذه الفئة في أن العمل السياسي والحزبي ليس عيباً ولم يعد مصدرا للخوف أو التهديد، ناهيك عن وجوب إرفاق هذا الخطاب بإرادة حقيقية وقوة داعمة ونكران للذات للمساهمة في إنجاحه.
إن من يرغب في الوصول الى فئة الشباب بصدق من هذه الأحزاب، هو من يهيكل صفوفه بها ويزرع الديمقراطية وحرية ابداء الرأي داخل أجهزته ويلجئ الى مبادئ التنمية السياسية والبعد عن الانغلاق السياسي والفكري في استقطابه لها. إن معظم دراسات البحثين الاجتماعيين تثبت وبالأدلة أن عزوف الشباب عن السياسة والمشاركة البنّاءة في العمل السياسي بشكل عام والحزبي بشكل خاص تدخل فيها عدّة أسباب، منها ماهي موضوعية تخص محيطهم ومنها ماهي ذاتية تخص حياتهم، لأنه في الوقت الذي نجد فيه نسبة الشاب في التعداد السكاني الجزائري تجاوِز الـ 70%، نجد 95% منهم غير منتمين ولا منخرطين في أي عمل أو حزب سياسي، وهذا رقم رهيب يطرح أمامنا عشرات التساؤلات! يتصدرها معرفة لماذا تظل هذه النسبة العريضة بعيدة عن المشهد السياسي؟ إن قراءة الواقع ومتابعة الشأن الحزبي كفيل بالإجابة عن هذه التساؤلات ويتضح ذلك جليا من خلال جمود الأحزاب وعدم رغبتها في العمل نتيجة التزوير المكشوف من طرف الهيئات المنظمة للانتخابات من جهة وبسبب ترهل هذه الأحزاب وعدم قدرتها على التعبئة من جهة أخرى، بصرف النظر عن التهميش وفرض الوصاية واعتماد منهج المناسباتية في التعامل معهم ما وسّع من الشرخ والهوة الموجودة.
إن ظاهرة العزوف دفعت بالكثير من الشباب لاتخاذ أمكنة لهم داخل مؤسسات المجتمع المدني رغم ندرتها، والانخراط في العمل الخيري والتطوعي رغم قلته وعدم براءته، لكونهم وجدوا في هذه الجمعيات والنوادي ما يقترب من قضاياهم الاجتماعية والاقتصادية اليومية وما يفتح امامهم التكوين في العمل المجتمعي التشاركي دون اقصاء أو تمييز أو منافسة، فأبرزوا مواهبهم وفجروا طاقاتهم وأثبتوا ذواتهم.
وصيتي للطبقة السياسية: إفتحوا أبوابكم للشباب واكسروا عقدتكم اتجاههم، لا تشمئزوا من حالهم وتضعوا أنفسكم في منأى عمّا يخصهم، إحتضنوا أفكارهم وإبداعاتهم، إنزلوا إلى دورهم وملاعبهم ومقاهيهم، عيشوا حياتهم، تكسبوا ثقتهم فتكسبون بها ويكسب بكم الوطن وتحافظوا بذلك على رسالة الشهداء.

محمد برهان الدين جقبوب

مجنون في بلاد العقلاء، يؤمن✊بالحلم💚وبقوة💪الشباب👥 يحارب🔨التعصب🤖 ويكره الكريتك والكلام الزائد 🔊

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: