مقالات رأي

لنترك داعش جانباً

كان المسلمون في الماضي القريب مجرد مهاجرين في أوروبا يبحثون عن لقمة عيش وحياة أفضل لم يجدوها في بلدانهم التي أنهكتها الحروب، ويدا عاملة كانت أوروبا محتاجة إليها من أجل إعادة بناء نفسها بعد أن عرفت حربين عالميتين مدمرتين، فلم يكن الإستقرار في أوروبا من اهتمامات أولئك ولا البلدان المستقبلة لهم كانت تتوقع ذلك.

تزايد عدد المسلمين في أوروبا بشكل سريع وغير متوقع، إذ أصبح تعدادهم بالملايين بعد أن كان بالآلاف، وذلك خلال عشرين سنة فقط كانت كافية لبلوغ عددهم 17 مليون مسلم يقيمون في أوروبا وأصبحوا يشكلون جزءا من مجتمعاتها، وخاصة مع تكوينهم لأسر وإنجابهم لأطفال اكتسبوا الجنسيات الأوروبية بحكم الولادة، فبدؤا بذلك يفكرون في البقاء في هذه الأوطان التي أصبحت أوطانهم .

بدأت تتشكل في أذهان ونفسية هؤلاء المواطنين الجدد أزمة هوياتية تمثلت في حاجتهم الماسة إلی انتماء يميزهم عن غيرهم من المواطنين الذين يختلفون معهم في العادات والتقاليد، والممارسات الدينية التي لا تكاد تری لدی غير المسلمين، ولا تجمعهم معهم سوی الوثائق الإدارية والحدود الجغرافية، فبدؤا يشكلون أمّة مستقلة عن/في هذه المجتمعات وذلك ببناء المساجد وإنشاء الجمعيات والمنظمات الإسلامية قصد الحفاظ علی هذه الهوية وعلی هذا الإنتماء.

لم يعد الإسلام ضيفا في الغرب يُنتظر منه الرحيل ولا المسلم غريب ينتظر العودة إلی وطنه حيث أصبحت هذه البيئة التي يتواجد فيها بيئته وهذه الأرض أرضه ولغة هذا الوطن لغته وفيه تشكلت أحلامه وفيه رسم مستقبله، هذا الواقع الذي الذي بات يؤرق عقل المسلم ويجعله يطرح تساؤلات حول هذا الوجود في سياق غربي يفرض عليه أن يكون مواطنا فعالا في مجتمعه، وأن يكون في الوقت ذاته مسلما محافظا علی مبادئ دينه، فهل عليه أن يكون أقلّ تدينا كي يكون أكثر وطنية؟ وهل ممارسته لوطنيته كاملة ينقص من إسلامه شيئا ؟

لا يتوقف الغرب عن دعوة المسلمين إلی الاندماج، وذلك لأنهم يمثلون لونا مختلفا عن الألوان المألوفة في هذه المجتمعات الخالية من أي مظهر ديني، فهم مطالبين بالالتزام بالحياد المطلق في المجتمع وعدم إبراز الخصوصيات الثقافية والدينية التي تتعارض مع الثقافة الأوروبية والغربية في نظرهم ! فهم يطالبون المسلمين  بالاندماج من جهة ويضعون قوانين تأمرهم بالإختفاء من جهة أخری حيث يمنعون تجلي مظاهر التدين عندهم من حجاب ولحية ومآذن …

إن دعوة الغرب هذه المسلمين للإندماج هي في الحقيقة دعوة للذوبان في المجتمع الغربي علی حساب الخصوصيات الثقافية والدينية للمسلمين، ما أدی بهم إلی تعزيز شعورهم بالإنتماء إلی أمتهم والانغلاق أكثر هروبا من هذا المجتمع الذي يرفضهم .

إن التطرف الديني والأعمال الإرهابية التي يشهدها الغرب اليوم، إنها هي نتيجة سياسة الإقصاء الجماعي من المجتمع الذي تمارسه الحكومات الغربية علی المسلمين، ما يجعلهم ينطوون علی أنفسهم ويثورون باسم الدين متی سمحت لهم الفرصة لذلك .

إن الغرب اليوم مدعوّ إلی مراجعة تاريخهم ومساءلة مبادئهم التي لم تعد سوی شعارات يتغنون بها، فالعلمانية التي وجدت أصلا لخلق فضاء مشترك محايد تتكافئ فيه حقوق وواجبات المواطنين، بغض النظر عن لغاتهم وأجناسهم ودياناتهم، تحول إلی فضاء إقصائي يعادي الأديان.

يبقی مستقبل الإسلام في الغرب مرهون بمدی تفاعل الغرب مع حقيقة أن الإسلام أصبح دينا غربيا، وأنه يجب إعادة التفكير حول مستقبل الغرب بالإسلام وليس بمعزل عنه، بالإضافة إلی مدی تفتح المسلمين ووعيهم بالسياق الجديد الذي يشغلونه، وضرورة التفكير داخل هذا الفضاء، والتوقف عن استراد الرؤی الفكرية والمعرفية التي كانت وليدة سياقات أخری، تختلف عن سياقهم المكاني الغربي والزماني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: