مقالات رأي

ما أجملَ النّفاق!

النفاق تلك الصفة المُركبة التي تجمع توابع الكذب والخيانة، داء العصر الأشد فتكًا -فلا دواء له ولا إيقاف-، مرآة كل مفؤدٍ بالخداع؛ إذ يَقلب الحقائق والصور فيُبدلها عكسًا وتزييفًا، النفاق هو الابتسامة الصفراء التي تعتلي شعلة نيران الكره، لتراها ماءً وثلجا، هو شبر الماء الذي قد يودي بحياتك غرقًا، وعطر الورود الذي قد يُميتك مسمومًا.. النفاق شر النفس الأكبر!

النفاق تسلسل وتشعب؛ إذ إن النفس هي منشأه الأول، وكثيرًا ما يحدث أن ينافق الواحد -منّا- نفسه، فيُغنّيها بوهم الالتزام والانضباط، أمر بالضرورة هو الأقرب أن يجعله عُرضة لأن يكون أكثر مواكبةً لأخطائه وذلّاته؛ فلا يُقرّها ولا يقتنع بكونها أخطاء، ناهيك عن أن النفاق قد يبلغ في النفس ذُروته، فيجعلها تشوه الآخرين -لا لشيء إلا- لتظهر في ذاتها الأكثر صوابًا.

ومن نافق نفسه -لا شك- سيغرق في أمواج بحره التي ستُعلي به مرة وتُسفل به مرات؛ إذ يَمتد لينفاق غيره
-وما أتعسنا إن نفعل!- فلأجل من ننافق؟
ألكي نكسب رضا بشر مِثلنا؟ أم لأجل مالٍ
-إن زاد أو قل- إلى زوال وانتهاء؟
تذكر كم مرة اتخذت النفاق سبيلًا لقضاء أمرًا من أمورك الحياتية؟
تذكر وأنت مع أسرتك يوم أردت الحصول على مال أو غيره كم كلمة وضعتها في جدار النفاق معهم لتفوز بمطلبك؟
الأمر هنا نسبي ومُخصص، لكن وأنت في دراستك أو عملك كم جملة استرسمتها -على غير حق- لتقولها لمعلمك أو مديرك، فقط لكي ينجز لك ما تريده؟

ومساحة خاصة لك الآن!
كي تتذكر كم مرة نافقت وكان النفاق مرجعه النتيجة التي رغبت، وبعدها أيقنت مَفعوله السحري؛ إذ بدلت كرهك حبًا وحقيقتك زيفًا وكذبا للحظات، فسرعان ما قُضيت أمورك فردّدت في داخلك:
“ما أجمل النفاق!”
يا له من اختبار! أن يجد المرء طريقًا يسيرًا كهذه ليبلغ غايته ولا يُفتتن به، هنا تختلف النتائج وتظهر الضمائر وقوتها، هل نستصعب طريق الجدّ والمشقة ونتخذ النفاق سبيلًا؟
أم نمضي كما مضى أصحاب الوجه الواحد!

نصل الآن إلى نقطة فاصلة تطرح سؤالًا عسيرًا:
كيف لنا أن نُفرق بين الاجتماعية والنفاق؟الاجتماعية تواصلٌ ومُؤاخاةٌ وتنفيسُ ضائقاتٍ وترميمٌ للعيوب وإظهار للمشاعر النبيلة دون مَنفعة دانية أو رغبة قاصية، وهي أيضًا رفعٌ للكُلفة وتصريف للأُلفة، ولا بد أن تشتمل على الحب المُجرد والعطاء دون مقابل، هي العفوية المُطلقة وكسر الحواجز، الاجتماعية صدقُ كلم ووفاءُ عهدٍ، وحفظُ أمانة، فشتان ما بينها وبين النفاق.

وأخيرًا لا تخسر نفسك وتنافق لأن ما كان لك ستأخذه رُغم كل الصِعاب وما لم يكُن لكن لن تناله ولو اجتمع من في الأرض كلهم.

khshab

طالب بكلية الصيدلة جامعة حلوان. ومُدون مصري. "كاتب على الطريق.. نبني بالأقلام قصة تجمعنا"

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: