مقالات رأي

محمد ديب الأديب الذي مات موتين

في مثل هذا اليوم رحل عنا ذلك الرجل الذي لم يستغن عن قلمه يوما ،في مثل هذا المساء أذيع خبر وفاة ذلك الكاتب المنسي وراء المياه المالحة ، اليوم سيدخل عامه الرابعة عشرة من الراحة الأبدية في قبره الهادئ ، اليوم ستتذكره قلة قليلة، و ربما ينساه كثيرون ، و لكن مهما نسيناه سيبقى يفرض نفسه على تاريخنا و أدبنا ،سيشهد التاريخ أنه كتب حتى آخر أيام حياته و ستشهد ريشته أنه كان وفيا لها حتى بعد بلوغه الثمانين ، ستشهد أيضا أنه كان مخلصا لها في كل مكان و في كل زمان ، في بلده و في منفاه ، في شبابه و شيخوخته ، في شهرته و تهميشه ، في حياته و ربما مماته .

ديب هو ذلك الرجل الذي عاش حياته بأذواق تختلف من يوم لآخر، اشتغل محاسبا ،مترجما و صحفيا …و كتب شعرا و نثرا ، أبدع في القصص و شوق القراء في الروايات ، و أذهلهم بالمسرحيات، ليموت وراء البحر قبل الأوان .

أبدع ديب في بلده و في منفاه ، فأول رواية له كتبها هنا في الجزائر هي ” الدار الكبيرة ” التي كتبها بالأسلوب الواقعي لتليها رواية ” من ذا الذي يذكر البحر ” و ” الحريق ” التي اندلعت الثورة بعدها بثلاثة أشهر تنقل ديب من الأسلوب الواقعي إلى الأسلوب الخيالي و من القضايا الوطنية إلى الجوانب الإنسانية،و هذا التنقل لم يكن عبثا في الأدب فحسب، بل كان نوعا من الرقي الذي لابد من الأديب أن يصل إليه ، و إثر تغيير أسلوبه أو يستحسن أن نقول ترقية أسلوبه قال أن الأسلوب الواقعي أصبح عقيما و سطحيا لذا وجب أن نستعمل الخيال للتعبير عن أعماق الإنسان و هذيانه و عقده ..

رحل عنا ابن تلمسان عن عمر ناهز 83 عاما ، إلا أننا قتلناه في تاريخنا بأعوام ،حتى و إن كنا نقرأ نصوصه الجميلة في الكتب المدرسية هكذا مات ديب موتين ،موت في المنفى في 2003 و موت قبله بسنين في مسقط رأسه، لتبقى أعماله خالدة لمن يريد ذكراه ، و لتستمر رواية “الحريق” و يستمر الجزائريين في الاحتراق كرماد مشتعل يأبى الانطفاء فلنتذكره و لو في ذكرى رحيله الثاني ،لأن رحيله الأول نسيناه

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: