مقالات رأي

مخاض الإصلاح وميلاد مجتمع التحرير

انطلق التاريخ البشري من يوم أن كلّم الله خير مَن خلق في حينها-الملائكة-وأجهر لهم الحي القيوم بقدره بأن يخلق مخلوقا خاصا يعمر الأرض ويجعله عليها خليفة مدة تواجده فيها. خلق الله الإنسان الأول سيدنا آدم وأنزله إلى دار قراره ومساحة عمله ومكان اختباره. ولا يكون الاختبار إلا على مهمة موكلة معلومة عند المختبَر!

خلق الله الإنسان الأول بيده فكرّمه ونفخ فيه من روحه، أعلى قدره ورفع مقامه، صوره فأحسن صوره وأحسن إليه أن جعله الخليفة له على أرض خلقها الله له ومن أجله. أكرمه ونعمه فربطه بالعبودية الخالصة له عزّ وجل.

الإصلاح والتدافع

لقد كانت الملائكة تعرف تاريخ المخلوقات التي خلقها الله عزّ وجل من قبل، فتراها وقتها تكلمت بمعرفتها عن النفس البشرية يوم أن قالت لله سبحانه وتعالى “أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء” وأحسن الله إلى البشر أن خلقهم لمهمة الاستخلاف في الأرض والقضاء على الفساد الذي سيسوقه البشر أنفسهم. ووضع أساس الصلة بين الخلفاء على الأرض والفاسدين قانون التدافع والتداول “ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض” “تلك الأيام نداولها بين الناس”.

إن قانون التدافع سنة كونية جارية ليوم القيامة وناموس رباني محقق بين الحق والباطل، بين الصلاح والفساد، بين الفلاح في تحقيق المهمة الربانية التي من أجلها خُلق الإنسان والخسران المبين الذي ينتظر المتخلف عن الحركة على صراط الله المستقيم.

إن عملية الإصلاح في وقت فساد العقل وتغوّل الغريزة لهي المهمة التي قامت بها النماذج الربانية العظيمة بأمر الله مظهرة رحمة الله على خلق عاهدوا على العبودية لله يوم أن خلقهم.  رسم الأنبياء برسالتهم التاريخ البشري الصحيح فرفعوا القناديل المضيئة في وقت الظلمات وأناروا الدرب الداكنة فأصبحت مزهرة منيرة. ولهي الأمانة الغالية التي وجب على أمة الخير أن تحملها من بعد وفاة إمام الأنبياء والنموذج الإنساني الفريد والفرصة الربانية الأخيرة للبشرية لتعود لفطرتها وتحقق غايتها وتقوم بمهمتها إنها رسالة الإنسان القدوة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لطالما كان الإصلاح مهمة الإنسان النواة في المجتمع والرجل القدوة الصانع للتاريخ. ولطالما كان الإصلاح اجتباء ربانيا وتوفيقا إلهيا فلذلك تزهر القيمة المركزية في حياة الأنبياء شعارا حيّا لغاية تواجدهم على هذه البسيطة “إنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ ۚ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ ”.

الإصلاح هو بقاء لرسالة الأنبياء واستمرارية في البناء والدعوة إلى أن نصل للزمن الذي تعود في الأمة لكتابة التاريخ وقيادة الأمم كما وعدها الحق. لسنا مكلفين بالنتيجة لأن ذلك قدر رباني على من اختار له ذلك الشرف في يوم مخصوص لكن نحن مكلفون بشرف بقاء جذوة مشعل رسالة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر التي بها تكون خيرية الأمة في أي عصر كانت. الإصلاح في المجتمع بالتوجيه نحو فضائل الأخلاق وتربية النفوس على عزم الأمور مع دفع للفساد المشتري فيه هو سر حياة المجتمع الإسلامي وبقاء عزّه، وما إن يترك هذا العمل إلا ويكون صاغرا خائفا مترددا ضعيفا مشتتا فيسهل على العدو استعماره وسلب حقوقه وبل الأخطر السيطرة عليه ونزع قوته الأصيلة بقتل فكرة الإسلام في أبناءه.

الإصلاح بين السهولة والاستحالة

إن الإصلاح عملية معقدة لا تخضع لذهاني السهولة والاستحالة، فلا هي سهلة بسيطة مؤدية إلى طريق أسود أعمى ولا هي مستحيلة عند البعض الآخر مؤدية إلى الشلل الثقافي الراكد والمحافظ على الواقع المر.

بين سهولة الإصلاح واستحالة التغيير يوجد المنهج الوسطي للإصلاح والتغيير الذي يرى في المنطق الفكري العملي أداة لتحريك ركود الأمة ودفعها للحركة التنفيذية السائرة على سنن التغيير وأدواته. إن الإصلاح استمرارية حركية ديناميكية معروفة المنطلقات واضحة المعالم، جلية السنن والنواميس من سار عليها بإخلاص وصواب وصل ومن حاد عليها خاب وسقط.

لقد انتشرت في واقعنا المريض أفكار ميتة وقاتلة تراكمت في المجتمع الإسلامي عبر التاريخ الإسلامي الرحب أو استوردها بعض الأغبياء من واقع ثقافي وفكري لا يمت لمجتمعنا الإسلامي بصلة. ومن الأمراض الذي نتجت عن فكرة السهولة في الإصلاح، مرض اللفظية ذاك الداء العضال الذي أنهك جسد الأمة وتظهر للمصلح الحاذق أعراضه المتمثلة في تجميل المصطلحات وتكديس العلوم دون دور عملي اجتماعي.  خلق لنا هذا المرض تطورات مرضية أخرى دفعت بالأمة إلى نقيضين التبرير والجدلية. منها من تبرر للمجتمع عوض إصلاحه بل أو ايكزوفوريا المدح والافتخار المنادي للأموات والمستدعي للماضي المغطي على عيوب الأمة المخدر للمجتمع.

بعيدا عن هذين الطريقين غير الموصلين لمبتغى الإصلاح، دعونا نتعرف فقرة بفقرة عن صورة الإصلاح وملامح تحققه على مستوى الفرد والجماعة، فكرا وسلوكا، تربية وثقافة، ذوقا وفنا، فعالية وحركية وبناء وإنتاج.

الإصلاح وتغيير الفرد

إن الإصلاح حركية مركبة لكنها ليست مستحيلة، ذات هدف سامي العودة بالأمة إلى مكانها الحضاري الذي أرساه لها القرآن والأمانة التي حملها إياها الله عزّ وجل خالق الإنس والجان. وبما أن قائد الإصلاح ومحركه إنسان وواضع الخطط ومنفذها هو نفسه؛ وجب أن يكون فهم تراكيب الإنسان النفسية والفكرية وتغيير واقعه النفسي بمداواة الأمراض النفسية وتشوهات الحياة الداخلية منطلقا التغيير ولن يتأتى لنا ذلك إلا بالتميز في العلوم الإنسانية وفهم منهج الله العالِم بهذه الآلة البشرية وطرق ترويضها في البناء النفسي للإنسان في القرآن من خلال توطين الإيمان بواجد الوجود واستشعار عظمته من خلال تذوق الجمال وتقدير الجلال والتحرر من عقدة العبودية للأيديولوجيات البشرية وإفراد العبودية الكاملة الخالصة لله فيحقق الإنسان بذلك غاية خلقه العبودية لله.

إن أولى مراتب الإصلاح في المنهج القرآني هي الانطلاق من تهذيب النفس وتربية الفرد، الوحدة التركيبة لأي تجمع بشري. وهذا في حد ذاته لا يعني انكفاء على الذات وعزلة على المجتمع وقضايا الأمة بدعوى صلاح الأنفس. بل تمهيد واجب للارتقاء في مراتب العمل انطلاقا من جهاد المسلم لذاته وتخليته لها من الذنوب والمعاصي والتقصير في جنب الله، وتعدي الصلاح الذاتي إلى الإصلاح المجتمعي بتهذيب البنين والبنات والاشتراك في مؤسسات التربية الهادفة للنهضة بالمجتمعات للرقي التربوي. فنكون بذلك نقلنا أفراد أمتنا من التخلية الواجبة إلى التحلية المحببة. فيستقيم بذلك عود الأمة ويقوى شأنها بارتباطها بخالقها.

الإصلاح وتغيير المجتمع

العوالم الثلاث للمجتمع

إن المجتمع هو حالة أرقى من التجمع البشري فالأول يمثل الحالة القوية للتكوين الكامل والتطور العضوي للجنس البشري وتخلصه من بهيميته الحيوانية. المجتمع ليس هو تجمع الجنس البشري فتلك حالة بدائية تحافظ على النوع البشري وفقط لكن المجتمع هو تهيئة الفرد البشري ليصبح إنسانا ويشكل مع إخوانه مجتمعا يقوم بوظيفته الربانية التي كلفه بها فرد وجماعة. فلذلك ترى أن بداية إصلاح رسول الله لمجتمع الجاهلية انطلق من بناء مجتمع جامع تتكامل تركيبته ويحافظ على صحته من خلال القيام بواجباته. المجتمع جسد مشكل من تركيبة عضوية ثلاثية، عالم الأفكار، عالم الأشياء وعالم الأشخاص. تجمع بين هذه العوالم علاقة ربط وولاء واجبة اتجاه أحد الأجزاء محددة طبيعة المجتمعات ومدى صحتها وفعاليتها.

صحة المجتمعات ومرضها

تتطور المجتمعات وتعيش بصحة حضارية وفعالية اجتماعية دافعة للبناء إن كانت دائرة ولاء عالم الأشياء والأشخاص لعالم الأفكار والقيم والأخلاق بربط متناسق بين المادة والروح، بين المعرفة والضمير وبين الفكرة ومنطق الحركة والعمل.

تمرض المجتمعات بتحول ولاء مكوناتها من الأشياء والأفكار للأشخاص، فتنتشر فيها أعراض الشخصانية المهلكة والذاتية العليلة والزعامة القاتلة مع ظهور مقيت للجدلية والتبرير.

تموت المجتمعات عندما يتوجه ولاء الأفكار والأشخاص لعالم المادة والأشياء، فتضيع قداسة الإنسان ليتحول لآلة تكديسية مستعبدة لأخيه الإنسان مبتعدا بذلك عن عالم القيم والأخلاق معرضا عن الله العليم الحكيم. فيظهر في المجتمع سرطان الشيئية والذرية. هذه هي نهاية المجتمعات المادية الزائلة وهذا هو منتهى ومصير الحضارة الغربية الحالية.

عالم الأفكار منطلق إصلاح المجتمع

الإصلاح فكر يعيد بناء الإنسان وفق منظومة القرآن المنهجية المتينة ثقافةً والرصينة حركةً والقوية عملًا والأمينة مبتغًى وغاية. فالإصلاح لن يصل مبتغاه إن لم يعرف المُصلِحُ مكوّن المُصلَح وتركيبته الصحيحة كالساعاتي الحذق الذي يعيد الحياة لساعة ميقاتية بعد أن يبحث في أحشائها عن مكمن مرضها ويعيد بعد بعثرتها جمع أجزاءها. والمجتمع المراد إصلاحه محكوم بقوانين يجب على رجل الإصلاح معرفتها وتطبيقها عل عوالم المجتمع الثلاث الأفكار والأشياء والأشخاص فمن أين يبدأ الإصلاح ؟!

ينير لنا القرآن منطلق الإصلاح وبداية درب العمل والحركة فينطلق في بناء المجتمع الأول الذي صنع الحضارة وكتب التاريخ مع الرجل المصلح العظيم سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من تغيير عالم الأفكار كضرورة لصناعة التغيير المنشود وبناء مجتمع النهضة وإخراج أمة الحضارة. فلذلك كانت الانطلاقة من “اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ”.

إن فكرة الإصلاح الصحيحة منهجا هي القائمة على الانطلاق من تغيير التركيبة النفسية للأمة بدءًا من تجديد منهجية تفكيرها وإصلاح عالم أفكارها. ولعل الفكرة التي يجب أن تقوم عليها خطتها هي أن تجعل من قيمة عالمية الرسالة واضحة في رؤيتها وتضع هدف قيادة العالم بعد التهيئة التربوية الروحية والإعداد الثقافي الفكري وشدة البأس السياسي والعسكري جلية في أهدافها. كما أن فكرة الإصلاح يجب أن توقن بأنها قائدة لحضارة عالمية تتعامل معها الحضارات الأخرى خاصة الغربية كمجتمع واحد وحضارة خضراء مهددة لمستقبلها لما تحمله من قيم ومبادئ في عالم الأفكار وموارد بشرية ضخمة في عالم الأشخاص، وموارد مادية في عالم الأشياء.

إن كان الإصلاح ينطلق من تغيير عالم الأفكار كما برهنت عليه المنهجية القرآنية وطبقته الحركة النبوية البديعة مع المجتمع الأول فغيرت من مناهج تفكير عالم جاهلي ودفعت به من التناحر القبلي إلى التآخي الفعّال في عالم الأشخاص ومن الشيئية القاتلة إلى البذل والبناء في عالم الأشياء البسيط وقتئذ. فلابد لنا ونحن ندعي حمل ميراث النبوة والسير على سننها أن ننهج نفس الدرب في إخراج الأمة القائدة من خلال مواصلة التهيئة الفكرية الذي أطلقها رجالات مجددون في شتى بقاع الأمة الإسلامية في عصرنا الحاضر بهدف تهيئة الأمة الإسلامية لإعادة بناء عالم أفكارها من أجل الدخول في دورة الحضارة.

الأفكار المريضة واجبة الإصلاح

لقد ترسّخت في المجتمع الإسلامي أفكار مجتمعية قاتلة زرعت الشلل الوظيفي العملي وجب اجتثاثها من الجسد الإسلامي. الإصلاح الحقيقي هو ذاك المنطَلِق من تخلية الأمة من هذه النزعات الميتة التي عششت للأسف بعضها بكونها أفكارا دينية والإسلام منها براء. تكون الأفكار ميتة في أي مجتمع سواء من خلال بعدها عن الفكرة الأصيلة القائدة للمجتمع أو غريبة عن الإطار الثقافي الصحيح الذي يسمح للمجتمع في بقاء نشاطه وفعاليته. أو تكون الأفكار قاتلة لما تستورد من إطار جغرافي ثقافي مريض بهدف الإصلاح وهذا ما يعمل عليه المنهج الليبرالي من خلال تسويف للأفكار الغربية الغريبة عن قيم المجتمع الإسلامي وتربته الفكرية الأصيلة بحجة الفعالية العصرية.

من الأفكار التي ترسبت بعد سقوط آخر خلافة جامعة، قطرية التأثير والغاية ووطنية الانفصام والانفصال وقومية الاستعلاء والعرق ويجب دفع هذه الأفكار من خلال بذر بذور حقيقة عالمية التدافع وعالمية التداول الحضاري وعالمية القيادة والتأثير. هذا المنهج الفكري النفسي هو الواجب غرسه في تركيبة نفوس الشباب لتحضيرهم لعزم الأمور وعظائمها.

من الأفكار الواجبة الإصلاح فكرة الخلاص الفردي البحت الذي يسوق لها حتى البعض من أحبابنا دون أن يشعر، كاسرا الأنا الجمعي والشعور بالانتماء لجسد الأمة سباقا، تمهيدا للاهتمام بأدوائها والشعور بهمومها الموصل لمقام العمل المثمر خلاصًا مجتمعيا ونهضة اجتماعية. لقد جعل رسول الله المجتمع الأول يعيش حياة مجتمعية جامعة أسسها المؤاخاة المنتجة لقد علم الصحابة أن خلاص الفرد لا يكون من أجل ذاته بل لتشكيل القوة النفسية المجتمعية الصلبة الحاملة للواء الخير في عالم مادي همه احتياجات فسيولوجية وغايات غرائزية حيوانية.

الإصلاح بين إصلاح المعرفة والتغيير السياسي

إن من عوامل بناء الأمة الإسلامية وجوب تأهيلها لمهمتها في الشهادة على الأمم الأخرى وقيادة العالم إلى طريق العبودية المخلصة لله. فالشاهد يجب أن يكون عالما عارفا بالحضارة لا مستهلكا لها.

النهضة الحضارية للأمة الإسلامية لن تكون بإصلاح علم الكلام من خلال تخريج متكلمين متخصصين في العقيدة بل بإعادة الفعالية الاجتماعية لتلك العقيدة من خلال بناء دعاة مخلصين وعلماء ربانيين يبثون قيمة الاتصال بالله قيمة الربانية. المسلمون لا يحتاجون دلائل لوجود الله لأنهم يؤمنون به بل يحتاجون لتفعيل هذه العقيدة واستشعار القرب والصلة بالله بالتربية تزكيةً وتخليةً، تحليةً فتجلية من خلال التذوق الإيماني والإحسان الرباني.

إن الدافع الإيماني هو أحد أهم الدوافع التي تقاس بها فعالية المجتمعات فتنقص أو تزيد هذه الفعالية بالقرب أو الابتعاد عن الله. فحضارة أمتنا تنطلق بتغيير منهجيات تفكير المجتمع وإصلاح عالم أفكاره والانطلاق في تشكيل الإنسان الجديد الرباني.

المعرفة بذاتها لا تقود إلى التحرير والنهضة أبدا لأنها لا تصنع تغييرا شاملا كاملا وحدها بل أنتجت تكدسا معرفيا متجرد حالم لا تجد له أثرا يدفع بالمجتمع إلى الحركية بل يساعده التفلسف غير المجدي على الخمول والكساد المعرفي وهذا لم يكن لنصل إليه لولا المناهج التربوية التقليدية المعتمدة على التلقين المعرفي والتكدس المعلوماتي وفقط.

كما أن جوهر الإصلاح ولب التغيير ليس الإصلاح العلمي المعرفي لأنه يشكل مجتمعا مشلولا عن منطق العمل مخدرا لمكوناته الثلاث، مبررا لركوده. فالإصلاح أيضا لا ينطلق ابتداء من إصلاح منظومة الحكم من خلال التفرغ للعمل السياسي كما قام به الرجل العظيم جمال الدين الأفغاني لأن هذا المنهج لا يفلح إلا في بناء مجتمع مستهلك مخدر بالمطالبة بالحقوق وترك الواجبات.

إن بذل الجهد الأكبر في إصلاح منظومة الحكم عن طريق الإصلاح السياسي أو الثورة (الإصلاح سريع الانتقال) دون تهيئة اجتماعية وصقل مجتمعي وتربية ثقافية على المبادئ الأخلاقية والفعالية المجتمعية، مع بناء تراكمي لشبكة العلاقات الاجتماعية المؤدية لتشكيل مجتمع مصلح للأشخاص، متشرب بالأفكار، دافع بالأسباب، سارٍ على السنن، مُضَحٍّ بالأشياء هو إصلاح فاشل غير موصل.

الإصلاح والبناء الثقافي

من واجبات التربية الثقافية الجامعة بين مكونات النسيج الاجتماعي بعد الربط الروحي المتين والبناء الفكري الرصين والفعالية المجتمعية المنتجة، ترقية الذوق الجمالي والحاسة الفنية في المجتمع. وإني أراها من ضروريات التشكيل النفسي السليم لشخصية الفرد المسلم الشاهد على الأمم الأخرى والقائد لنهضتها، أن يتذوق الجمال الرباني فيستقي منه الإبداع والرونق. كما أننا نرى ركود المجتمعات الإسلامية في هذه الجزئية الهامة المشكلة للقوة الثقافية وتفرد المجتمع بثقافته أدت إلى الاستهلاك الثقافي والتسول الجمالي من الثقافات الأخرى. فيرى بعض أمراض القلوب في الانحلال الغربي تحضرا جماليا وفي المجون الأخلاقي رقيا حضاريا.

إن الفن وتذوق القيمة الجمالية ليست بأي حال  مساوية للانحلال والفسوق والرذيلة كما أن الإسلام أيضا ليس تعبد جاف وقلب ناشف لا يعرف الجمال ولا يتذوقه. بل للإسلام معادلة راقية في الذوق الجمالي المقترن بالقيمة الأخلاقية فلا تذوق إلا في رقي ولا جمال إلا بنقاء أخلاقي.

إن الأمة تعيش واقعا ثقافيا هجينا شكَّل شخصية مضطربة السلوك مُقتبسةً أفكارا موروثة عن فترة تدهور مجتمع في عصر الانحطاط وآخذة بوسائل غربية تظهر الجمال المادي وتبطن القتل الحضاري لأمة الإسلام.

هذا الاضطراب السلوكي ولّد إما فخرا بأمجاد الماضي لتجاوز مركب النقص الحالي أمام الحضارة الغربية الشيئية المادية أو انغماسا في تلك الحضارة، نتج عن هذا الاضطراب فصيلين نقيضين:
-أثرية (من موروث) ملتصقة بالموروث مهما كان، ولو كان ميتا في طبيعته أو إطاره الجغرافي والزماني، وفصيل آخر من الحداثيين المتغربين المتغذين بالنزعة الغربية ذات الأفكار القاتلة الجاعلة للإنسان المسلم مستهلكا للحضارة لا صانعا لها.

بين أولئك وسطية تعمل على التشبث بالموروث الحي المنزل على أمة حية رسمت لنا منهجا للإصلاح والتجدد على مستوى الفرد والمجتمع لن تضيع الأمة به كتاب الله وسنة رسوله ومعاصرة واقع يتم فيها تحديث مستمر للوسائل المثمرة المحققة للمنهج التجديد الإيجابي وفق مقاصد الإسلام وغاية خلق الإنسان.

سبيل نهضتنا مراجعة موروثنا الذي تكدس عبر الأزمنة من أفكار سلبية غير مرتبطة بالإسلام كانت سببا في قتل الأمة وشللها الكامل وتنقيح ولقف ورفض الأفكار الغربية القاتلة مهما كان رونقها الظاهري. سبيل نهضتنا صناعة الأفكار وتحوير علاقات عالم الأشخاص وعالم الأشياء حول مركز كامن هو عالم الأفكار لذلك كانت معجزة رسول الله الخالدة الموروث الحي القرآن مثيرا للعقل مستفزا له دافعا به للتدبر.

الإصلاح وميلاد مجتمع التحرير

أي إصلاح لا يشكل إنسانا جديدا في أدوات تفاعله مع المجتمع أصيلا في ثقافته. وأي تغيير لا يغير نفسية الإنسان ومبررات وجوده ودوافع بنائه للنهضة نقلة عرجاء ترجع بالمجتمع إلى الوراء وبالأمة نحو الأسفل.

الإصلاح لن يؤتي أكله إلا بتغيير الإنسان والعودة به إلى كتابة التاريخ والقيام بدوره كخليفة في قيادة الأمم والشهادة عليها. لن تكون الثورة قويمة إلى بصناعة إنسان وفق شروط المجتمع الرباني المنتج الفعال الأول مجتمع الصحابة في فهمه وسلوكه وفكره وكلماته؛ فيكون فهمه صحيحا وسلوكه قويما وفكره أصيلا في موروثه حديثا في أداته.

إن من أهم القيم الإصلاحية التي يجب أن نغرسها والتي تنقص أمتنا الإسلامية لتنهض من كبوتها وتستقيم بعد اعوجاجها وتعود لسابق عهدها في قيادة الأمم تسبيق القيام بالواجب على المطالبة بالحق. فترتفع كفة الإنتاج على الاستهلاك في الميزان الاجتماعي الحضاري. وتنهض الأمة بكثرة السواعد البانية والقلوب المشتعلة على حساب الأفواه التي لا تنفع إلاّ لوظيفتين الأكل والجدل.

مهمتنا هو المساهمة في ميلاد مجتمع التحرير من خلال الانطلاق من بناء عالم أفكاره القوي المعتمد على أصالة الفكرة الإسلامية وتجديد وسائل ومنهجية التفكير المجتمعية الموصلة للفعالية. الإصلاح يكون في تقوية جملة العلاقات الاجتماعية الجامعة بين الإنسان والتراب والزمن وتحوير ولاء مركبات الاجتماعية من أشخاص وأفراد حول نواة الأفكار البانية الدافعة لصناعة التاريخ المستقبلي لأمة الإسلام.

يولد المجتمع من عدم بديمومة استجابته لتحديات متعددة حتى يصل للفكرة الذهبية الفعالة الناهضة به والوالجة به لدورة الحضارة وكتابة التاريخ.

تحدي أمتنا الواجب علينا الاستجابة إليه هو وقوع المقدسات في يد كيان صهيوني غاشم واستجابتنا الحقيقية الدافعة بالإسلام لقيادة العالم هو تحرير المسجد الأقصى المبارك؛ هكذا يولد مجتمع التحرير!

Kadir.Mourad

ناشط شبابي جزائري مخاضر مختص في الثقافة المقدسيةكاتب ومدون مهتم بالتاريخ والفكر والعلوم الإنسانية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: