مقالات رأي

مواطن صالح 

” كان سقوطا مدويا، لدرجة أن لا أحد استطاع أن يحدد موضع الألم من الروح “.

-لم يكن يعلم أن الارتطام بالحقيقة موجع لهذا الحد،كان يعيش في حدود عالمه الصغير ،يمارس بشريته المقتصرة على الأكل و النوم و التكاثر مثله مثل أي كائن حيَ بوظائف فيزيولوجية لا حول له بها و لا قوة . يذهب لعمله صباحا و يعود في المساء ،يقبض في أوَل الشهر و ويقترض في وسطه و يسدد دينه على مضض، كانت حياته رتيبة جدا و منظمة بشكل غير قابل للتصديق و لا للتغيير حتما ….
-في الخارج، كلًَ كان وفيا لدوره المنوط به ، جمع من الناس المنهكين يتلاهثون وراء الرغيف و آخرين مثقفين- بطريقة ما- يحاولون إثبات وجودهم ببعض من الكتب أو الملتقيات أو المظاهرات التي تنتهي بلا جدوى غالبا،و آخرين أقوى يحكمون بقبضة من حديد زمام المال لا السلطة -لا يجدر بنا عادة ذكرهم- أما هو ففي مثل هذا التوقيت كان قد آوى لفراشه ، خمن عدد الساعات التي تفصله عن الصباح ونام مطمئنا .
-لم يُعنى يوما بسياسة أو بفن أو بحرب ، حتى القضية الفلسطينية فكر بها كواجب وطني محض ليس إلا،كان بعيدا كل البعد عن هذا كله ،يشعر بالأسى إذا تمزق حذاؤه أو طبخت زوجته باستا على العشاء غير ذلك ماكان شيء ليهزه …ولكنه ساعتها وقف مشدوها ،تلمس موضع قلبه ،جثا على ركبتيه و تحسس أطرافه كأنه يبحث عن حياة ضاعت لتوها و بلا رجعة …لم يرد أبدا أن يعرف أمرا مشابها ،لم يسعى ليعرف الحقيقة، وحدها وجدت سبيلها إليه و أردته عاجزا يبحث عن الخلاص الذي بدا مستحيلا تماما …
اكتشف لتوه أنه أفنى عمره و هو يصدق أن هذا ما يجب أن يكون عليه ،و أن كل ما فعله في حياته كان بلا جدوى …فهو لم يكن مواطنا صالحا كما اعتقد و لكنه كان مواطنا غبيا .
لم يسمع أحد دويَ سقوطه غيره ، رغم أنه رآه مهولا و مجلجلا …تداعى كل ما بداخله و تهاوى ..كان هذا الارتطام كان كفيلا بأن يفقده عقله ولكنه تمالك نفسه و عزم على قبول الحقيقة كما هي و أقسم أن لا يعيش صالحا عفوا أقصد غبيا بعد الآن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: