مقالات رأي

موقع الكفاءات الجزائرية في معادلة الاقتصاد

لا شكّ بأنّ مشروع النهضة بالاقتصاد الوطني أولوية الأمّة اليوم. والناظر إلى شؤون الوطن من العامّة أو الخاصّة، يدرك بأنّ مشكلة الاقتصاد ليست “رؤوس الأموال” بالدرجة الأولى بل هي مشكلة “رؤية وتخطيط استراتيجي”.

فمقومّات التطوّر كُلُّها حاضرة:

“المال، الموارد الطاقوية، المواد الأوّلية واليد العاملة المؤهّلة، حتّىالشمس هي في صالحنا!”ولا يعوزُنا لأجل إحداث التقدّم إلّا البنى القاعدية. وأقصد بها شقّ الطرق ومدّخطوط السكك الحديدية بما يخدم الهدف الأسمى، وكما يقال:”النقل شريان الاقتصاد”. ومجال النقل اليوم يبقى تحدّيا كبيرا لا مندوحة من خوضِه وتلبيةِ النُّقص الحاصل فيه.

وإذا عدنا إلى اليد العاملة الخبيرة، لاكتشفنا محيطا من الفرص والقدرات التي لا تُستغلّ، والتي تبقى حبيسة الروتين القاتل والتسيير القصير النظر حتّى تتلاشى.

  لطالما تساءلتُ: ألم يحن الأوان لأن تُشرك الأمّة أبناءها؟

فالشرخ الحاصل بين الخبرة التي يكتسبها الفرد الجزائري خلال سنوات العمل أو نتيجة التكوينات المستمرّة في الوطن وخارجه، لا تؤتي ثمارها بالشكل المرجوّ بل تذهب كالزبد جفاءً. وإذا بالكنوز تضيع كلّ عام بل كلّ يوم. وهنا تتجلّى الخسارة الفادحة التي يُمنى بها الاقتصاد الوطني.

ولأجل إصلاح هذا العطب، على السلطات أن تعيد النظر في العلاقة بين مراكز البحث خاصة منها المخابر الجامعية والمؤسسات الاقتصادية.وسواءً كان النشاط الاقتصادي صناعة خفيفة أو ثقيلة، أو طاقويةأو استثمارا فلاحيا أو غيرها من حقول الاقتصاد، فالحاجة ماسّة إلى المتخصّصين في كلّ المجالات.

وإلا فما فائدة الجامعة ومخابرها وآلاف المناصب المفتوحة في البحث؟

علينا أن نفكّر في الفعالية والجودة. فلطالما افتخرنا بعدد البحوث الجامعية المنشورة وعدد المخابر العلمية الموجودة في جامعاتنا، لكنّنا لم نتجرّأ يوما لمحاسبتها، أو لدراسة جدواها؟! وللسلطات دور في هذا الخلل. فالمنطق يقول:

“المخبر الجامعي هو مشتلة للأفكار والمشاريع، وكي يتحقّق التوازن، فعلى المخابر الجامعية أن تقدّم قيمة مضافة مقابل الأموال والوسائل التي تسخّرها الدولة لإطاراتها. وهذا في مجال البحث والتطوير والتصميم وإيجاد الحلول للمشكلات.”

ولو لتمعنّا في آلاف المذكّرات الجامعية التي تتمُّوتُقدّم نهاية كلّ عام، ومنحناها حقّها من العناية (بدل وضعها على الرفوف دون مراعاة) لاستخلصنا منها ملايين الأفكار. ولتفطنّا لأمر آخر:

“فلو تمّ استغلال الطاقات المتوفّرة وطنيا، لاستغنينا لحدّ كبير عن الخبرات الأجنبية، إلّا في بعض المجالات الخاصة والتي تتطلب مهارات محدّدة.”

ولا أرى عيبا في وقتنا الحالي، من ذلك الشعور بالنقص والاعتماد على الغير، في شتى شؤوننا. ويقول الشاعر: “ولا أرى في النّاس عيبا *** كعجز القادرين على التّمام”.

لا يُنكر أحد فضل الخطوة الاستراتيجية والضرورية التي اتّخذتها السلطات من خلال ترشيد الاستيراد والاستهلاك، ممّا أنعش الاقتصاد الوطني نوعا ما. لكنّ خطوة كهذه لا تكفي، فالاقتصاد الوطني يطير بجناحين: “تعزيز الإنتاج، وترشيد الاستهلاك”.

ولا يجحد عاقلٌ زخم الاستثمار وكثافة المؤسسات التي تغذّي الاقتصاد بدماء جديدة، لكن يؤسفنا في المقابل أن نشهد ميلاد مؤسسات عملها هو تركيب ما يُصنع في الخارج! ويتمثّل هذا أساسا في مجال السيارات، ومجال الالكترونيات وغيرهما.

بالمثال يتّضح المقال، فلو أخذنا مثلا مجال صناعة السيارات كمجال نخوضه (صُورياً)، لوجدنا كلّ المقومات التي تسمح للجزائر بأن تدخل هذا المضمار بعمالة وموارد جزائرية 100%.

فبفعل الزمن والخبرة قد تكوّنت لدى الجزائريين كلّ مهارات الميكانيك، من التصميم(البناء الميكانيكي)، إلى هندسة المواد اللازمة للصناعة، إلى صناعة القطع المعدنية(الصناعة الميكانيكية والخراطة) وهذا على المستوى الهندسي، وفي هذا المجال قد تكوّن الآلاف من المهندسين والدكاترة. كما استفاد المئات من الأساتذة والخبراء من التكوين في الخارج.

زيادة على الآلاف من التقنيين في مجال صيانة السيارات وهياكلها. والتمعّنُ في حال هذه الشريحة(أي التقنيين) يدفع إلى التعجّب من كمّ الطاقات البشرية المتاحة في هذا المجال لوحده، فما بالك بما يستطيع الخبراء فعله!

ناهيك عن المجالات الأخرى. العامل الجزائري جدير بالاحترام والثقة. فهو الذي استطاع بناء الجزائر غداة الاستقلال بقدرات محدودة، وتمكّن من تأميم البترول والاستغناء عن الأجنبي بإمكانيات متواضعة آنذاك، يستطيع اليوم تحمّل العبء الاقتصادي ومشاركة وطنِه همومَه ومآسيه. ولأجل ذلك، على المعادلة أن تتغير فتتحوّل معاملة الكفاءات الجزائرية من “معاملة قاصر إلى شريك، ومن اعتبار المواطن الجزائري مستهلكا إلى إنسان منتج وخلّاق، ومن مُنتظر للفرص لصانع لها.

 وليس هذا بالمستحيل وإنّما هذه خواصٌّ يملكها الشعب أصلا. وما على السلطات إلّا الثقة فيها، بأن تُوجدَ مساحةً وسطى بين النقيضين. أي بين ضخّ أموال هائلة في مؤسسات صغيرة بدون دراسة مسبقة للجدوى، وبين حرمان الكفاءات المحلّية من فرصة لإثبات وجودها من خلال المشاريع المنتجة.”

طه بونيني

كاتب ومهندس جزائري. نشرَ مجموعتين قصصيتين وقصة للـأطفال. بالإضافة إلى مقالات نُشرت في الجرائد والمجلات الإلكترونية. بالإضافة إلى نشر قصص قصيرة وخواطر في المجلات الالكترونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: