مقالات رأي

هكذا علمنا الاستقلال !!

يشاء الله تعالى أن يتوج نضال الشعب الجزائري بالاستقلال في نفس اليوم الذي دخل فيه المستدمر الفرنسي إلى الجزائر. دخل الفرنسيون مدينة الجزائر في 14 محرم 1246هـ الموافق لـ 5 جويلية 1830م طامعين أن تبقى لهم للأبد: ينهبون خيراتها، يدنسون تاريخها، يستعبدون رجالها ويستبيحون نسائها ولكنهم نسوا بأن الشعب الجزائري لا يرضخ لمن يهينه ولو كان أقوى دولة في تلك المرحلة. فبالرغم من التنكيل والتجويع وتسليط اشد أنواع الاضطهاد على الشعب الجزائري لم تنعم فرنسا الاستعمارية بالراحة التي كانت تحلم بها فقد عاشت فرنسا نفس الرعب وعدم الاستقرار الذي أذاقته للجزائريين وهذا طيلة الفترة التي بقيت فيها. عندما ازداد الخطب وبلغت القلوب الحناجر من جراء التقتيل والتنكيل الذي طال الشعب الجزائري لم ينسَ المجاهدون بأن النصر من عند الله وانهُ كتبَ على نفسه: ” إنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ” (سورة الحج – 38) ، فلقد فقه المجاهدون بأن معادلة النصر لا تقتصر على العدة فقط وإنما على بسالة وجلد الرجال ومدى إيمانهم بقضيتهم والتضحية في سبيلها. وبتتابع الثورات منذ القرن التاسع عشر وتكاتف الجهود الدبلوماسية، الإصلاحية والعسكرية والتي ختمت بالثورة التحريرية توج هذا النضال برضوخ وانكسار شوكت الاستدمار الفرنسي وإعلانه عن استقلال الجزائر صاغراً في سنة 1962.
عند إعلان خبر الاستقلال يوم الخامس من جويلية من سنة 1962 انطلقت زغاريد حرائر الجزائر بسيمفونية الحرية وهذا قبل أن نسمع أصوات الراديو ونقرأ كلمات الصحفيين المهللين بهذا الانجاز العظيم. ابتسامات العجائز والشيوخ وضحكات الأطفال التي امتزجت بطعم الحزن على من استشهدوا في الثورة التحريرية وقبلها وعلى حضارة كادت أن تمحى طيلة 132 سنة. أصوات برغم حزنها علتْ فوق جراحها لترسم للأجيال الصاعدة الأمل في غدِ أجمل، لجزائر حرة أبية تنعم بخيراتها وبشبابها وتسترد مجدها الغابر.
عندما أعلن يوم 05 من جويلية يوماٌ لاستقلال الجزائر، سُطِرَ تاريخٌ جديد في النضال من اجل الحرية والكرامة، ووضع الجزائر أنموذجا يحتذى به للحركات التحررية في العالم.
– ففي ذكرى عيد الاستقلال، ومع مرور الأعوام وتتابع الأحداث نتعلم بأن ما سيتحكم في عطاءنا هو الإصرار المستمر الذي يدفعنا دائما إلى الأمام وأن الفيصل في كل هذا هو توفيق الله لعباده فلولاه لخارت عزائم الكثيرين….
– في ذكرى الاستقلال، يعلمنا التاريخ بأن لا نفصل حاضرنا عن ماضينا كي لا نسقط في بئر العفن وننسى أن الوطن رمز للعزة والنضال ودعم الأحرار ويجب العمل على المحافظة عليه والذود عنه.
– في ذكرى الاستقلال، نتذكر مسيرة شباب اقضوا مضجع أقوى دولة عظمى في تلك المرحلة، فلقد عقد مؤتمر الصومام وأغلب القادة لا يتعدى سنهم الثلاثين سنة، قادوا الثورة المجيدة واستشهدوا وزمن الشباب لم يعش معهم لمدة طويلة.
– في ذكرى الاستقلال نتذكر نضال الشباب والطلبة في شتى المجالات والمحطات التي اقتحموها لإسماع صوت الثورة الجزائرية وطلب العون لها. فلقد مزجوا بتعليمهم آلام شعبهم وتطلعه للحرية فكانوا من خيرة الشباب الذين مثلوا الثورة في المحافل الدولية، وكانوا من خيرة العقول التي خططت لتفجير الثورة والعمل على التمكين لها. روح العلم بعنفوان الشباب وشهامة العربي شكلت لديهم شخصية أصيلة لا تقبل لوطنها وشعبها أن يستعمر ولا أن يرضخ لغيره.
الاستقلال يذكرنا بأننا نحتاج لأن نزرع ونوزع الكثير من جرعات الأمل في النفوس، لأنه مهما يكن الإنسان واعيا وطاهرا لا يمكنه أن يقدم ويناضل إذا فقد الأمل… فعندما تزرع المبادئ النبيلة التي أسست عليها الثورة التحررية، في نفوس الشباب، فستكبر لتزهر يوماً مبينةً لنا بأن الكلمات الصادقة والمعاني التي غرسها فينا المجاهدين لا تموت بل ستحيا وتتوقد إذا وجدت تربة طيبة وبعض من الماء لنسقيها لكي تكبر، فالأفكار الكبيرة ربما تذبل ولكنها لا تموت… !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: