مقالات رأي

هل آتاك حديث الظواهر السياسية التي تأجل التغيير العميق في الجزائر؟

ذات يوم ألقيت محاضرة في باريس أمام طلبتي حول “الوعي المعرفي – المنهجي” كأحد أهم العناصر في المنهجية البحثية بأفق حضاري. ولا أكتمكم بأنه ما كان لي، لمن يعرفني، أن أنجح في اخفاء شديد حماستي للموضوع، وقد ظهر ذلك جليا في كثرة استدلالاتي على ما يثبت الأهمية المزدوجة للوعي المنهجي المعرفي: أولا على المستوى العملي الاجرائي حيث فسرت كيف أن هذا الوعي يساعد الطالبة والطالب على إنجاز أبحاث علمية ذات قيمة مضافة في مجال تخصصهم ، وثانيا على المستوى النظري الاستراتيجي لأنه يحقق التحرر المعرفي “الابستيمولوجي”. مما يساهم (عبر العطاء المتراكم نوعيا للباحثات والباحثين الجادين) في بناء “منظورات معرفية” غير “مستلبة إنسانيا” وغير خادمة لتوجهات وفرضيات وأجندات القوى الرأسمالية العابرة للقارات، الموجهة والمحتكرة في الوقت نفسه “للمنظورات المعرفية” السائدة في الجامعات والمجلات والدوريات المحكمة، ومراكز الأبحاث عبر العالم.

ولكن بمجرد انتهائي من هذا الشرح سألني أحد طلبتي وكان معروفا بنباهته قائلا: يا دكتور! أنا أعلم بأنك مهتم بقضايا التغيير وإصلاح الفكر والدولة والمجتمع في الفضاء العربي الاسلامي عامة، وفي وطنك الجزائر خاصة، فهل يمكنك أن تعطيني مثالا تطبيقيا لكيفية اشتغال هذا “الوعي المعرفي-المنهجي” في الاجابة على سؤال : لماذا يتأجل التغيير العميق في الجزائر المرة تلو الأخرى، في بلد التضحية موطن المليون ونصف المليون شهيد؟
فكرت قليلا وتوجهت لكل الطلبة قائلا لهم : نأخذ استراحة لمدة ربع ساعة، ونعود لاستكمال المحاضرة وأعدكم بأنني سأبدأ بمحاولة الإجابة على هذا السؤال المهم الذي طرحه زميلكم، والذي لا يخلو من تحدي، فالله أسئل التوفيق والسداد. وما لبثت أن أضفت : ولكن لي شرط ! قال لي طلبتي بصوت واحد: ما هو يا دكتور؟ فقلت لهم : أن نحاول الإجابة على السؤال مجتمعين، أي بمشاركتكم لي في التفكير! فالذكاء الجماعي هو أهم أداة في تطبيق متطلبات “الوعي المعرفي-المنهجي” الذي هو موضوع محاضرة اليوم، إذ أنه سيمكننا بتوفيق من الله، أن نتوصل إلى إجابة تحيط بأهم عناصر السؤال المطروح.

وافقني الجميع على الاقتراح، خرجنا من قاعة المحاضرة للاستراحة، وبمجرد عودتنا انطلقنا متحمسين في العمل، وبدأنا وفقا لمتطلبات “الوعي المعرفي-المنهجي” بالقول : يجب أن نحدد ما هي الاشكالية التي نريد بحثها ؟ ثم ما هي الفرضية التي سنختبرها ويمكننا أن ننطلق منها في التداول والبحث ؟ بعد النقاش المعمق خلصنا إلى أن السؤال الرئيسي الذي نبحثه هو: هل توجد ظواهر محددة يمكن حصرها وتصنيفها بشكل واضح يمكننا اعتبارها هي المسؤولة عن تأجل تحقق التغيير العميق في الجزائر، على الرغم من عديد الجهود والمحاولات التي بذلت في هذا الإتجاه منذ أكثر من خمسة عقود ؟

ثم أضفنا بأنه يمكننا أن ننطلق في تفكيرنا الجماعي من فرضية أولية مفادها: بما أن مظاهر الأزمة في الجزائر تتمثل أساسا في احتكار السلطة على المستوى السياسي، واحتكار الثروة على المستوى الاقتصادي-الاجتماعي، واحتكار الإعتبار على المستوى الثقافي، فيمكن القول بأن هناك ثلاث مستويات تحليلية (المستوى السياسي، المستوى الاقتصادي-الاجتماعي والمستوى الثقافي)، في كل مستوى يمكن رصد مجموعة من “الظواهر-المؤشرات” التي تساعد في فهم لماذا يتأجل ويتأخر التغيير العميق جزائريا، رغم أنه مطلب قطاعات واسعة من الشعب وخاصة الشباب منهم، كما بات واضحا من توجهات التيار الرئيسي للتغيير في الجزائر؟

بعد الإنتهاء من تحديد الإشكالية والفرضية، قمنا بتشكيل ثلاث مجموعات في شكل ورشات عمل، تبحث كل مجموعة في مستوى من المستويات الثلاث المحددة أعلاه. وكانت خلاصة مجموعات العمل غاية في الأهمية، سأكتفي في هذا المقال بذكر نتائج الورشة الأولى منها والتي خصصناها لبحث الظواهر السياسية التي تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في تأجل التغيير العميق في الجزائر وهي (على سبيل الحصر لا القصر) :
1. التناقض في المواقف والخطابات مما سبب ضعف أو غياب شبه كامل لمصداقية المثقفين والطبقة السياسية والصحافة وتهميش الكفاءاة الوطنية خاصة الشباب من جيل ما بعد انتهاء حرب التحرير الوطني، وعدم العمل على صناعة ميزان قوة شعبي لصالح التغيير العميق.
2. التبعية شبه الكاملة للاحتلال الجديد “الرأسمالي الاحتكاري العابر للقارات” كرس الدور المتزايد لتحالف ثلاثي الأقطاب بين الضباط المتنفذين وأصحاب المال الفاسد والعائلات الوظيفية وبطاناتها في السيطرة على الحياة السياسية، والاقتصادية والثقافية والتغلغل الشامل في مختلف الأجهزة والميادين.
3. انتشار ظاهرة الإنفصام بين القواعد النضالية والقيادات الحزبية والنقابية والإنشقاقات في مختلف التنظيمات.
4. تشتت قوى المعارضة الشعبية وضعف المعارضة الرسمية وتفضيلها التعامل مع النظام والإنخراط في أجنداته بدل العمل على صياغة أجندة بديلة، والإلتزام بها والعمل على تحقيقها مع القطاعات الواسعة للشعب، زيادة على عدم وجود شخصيات ذات مصداقية وصاحبة رؤية غير متورطة في حسابات النظام عليها إجماع لقيادة المرحلة الحالية والمستقبلية.
5. ضعف الثقافة السياسية والخلط بين المصطلحات مثل الدولة والنظام، بين التغيير السلمي والفوضى، بين غياب الوطنية ونقد النظام المتحكم، بين ضرورة نقد سياسات النظام وإشعال الفتنة…
6. التشويش على الحقائق وقلب المفاهيم وتشويه دلالاتها بالممارسات المناقضة لها بسبب ديمقراطية الواجهة وديكورها السياسي والإعلامي المقنع للإستبداد والمعمم للفساد، مع غياب المعطيات الحقيقية وتزوير الإحصاءات الخاصة بالسياسات العامة القطاعية.
7. الأنانيات الضيقة على أسس نرجسية أوحزبية أو إيديولوجية، و غياب الرؤية السياسة الواضحة والخطاب السياسي المجمع لمختلف القوى المطالبة بالتغيير، مما يصعب تحقيق إجماع وطني على أجندة وأولويات التغيير بعيدا عن النظام إلا في مرحلة إجباره على التفاوض لتسليم السلطة.
8. العلاقات المتوترة للنظام في الجزائر مع الجيران والشركاء على معظم الجبهات خارجيا لا سيما مع المغرب وليبيا.
9. الذهنيات والسلوكيات المغلبة “للجهوية والمناطقية السياسية” الطاغية على النخب الموالية والمعارضة.
10. تكريس معايير المشروعية التاريخية والولاء والتبعية بعيدا عن الكفاءة والإستحقاق في التقديم والتأخير وتولي المناصب والحصول على الوجاهة السياسية في الدولة والمجتمع.

كانت هذه أهم العناصر التي رصدناها على مستوى الظواهر السياسية المؤجلة للتغيير العميق جزائريا.

أما في ما يخص الخلاصات المتعلقة بالمستوى الاقتصادي-الاجتماعي، وكذلك بالمستوى الثقافي، والتي تساهم أيضا في عدم تحقيق التغيير متعدد المستويات في الجزائر، فإنني سأخصص لها مقالين منفردين حتى نتقاسم أهم نتائج الورشات الإفتراضية التفكيرية مع القارئ، ولكن دون إطالة مملة.

ramzisaoudi

باحث في مجال الاجتماع السياسي والابستيمولوجيا / مدون مهتم باصلاح الفكر والدولة والمجتمع في الفضاء العربي الإسلامي / القناة : www.youtube.com/channel/UCthIhYPN_7vNddpk4nterkg

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: