مقالات رأي

هل الانتخاب حق و واجب كما قيل؟

لطالما بحثت عن معنى قريب لهذه المقولة المشؤومة التي لم أجد لها تفسيرا، نظرت اليها مطولا ظننتها قرآنا لأنها تتلى آناء الليل و أطراف النهار كل خمس سنوات تقريبا، بحثت في كتب التفسير لعلي أجد ما يشفي غليلي، تفسير ابن كثيرالذي لم يوجد له مثيلا، و مرجعا أدبيا غنيا، غير أني لم أجد لها أثرا يذكر سوى بعض التفاسير لكلمة ‘واجب’، كلمة واسعة المعنى و التفسير: اقام الصلاة و ايتاء الزكاة و صيام رمضان و احترام الجار و بر الوالدين و …الخ، لكن غياب تفسير الانتخابات خلط علي المعاني و المفردات، و لا يمكن تفسير ‘الواجب’ بغياب ‘الانتخاب’، ظننتها مرة أخرى سنة ثابتة عن النبي-صلى الله عليه و سلم- و ما من كتاب غني بالسنة و الحديث أغنى من صحيحي البخاري و مسلم، بحثت مجددا و بعمق فلم أجد معنى واحد يجعل من الشيء حق و واجب في نفس الوقت، فلا معنى يليق بهذه الجملة المركبة.

عرفت بعد جهد جهيد أن هذه الكلمة صنع بشري من مصنع السياسة الحديثة في الجزائر،هذه الأخيرة التي تركت البلد القارة يتخبط في صراعات و أزمات اقتصادية و خدماتية و حتى سياسية.

كنت أسمع هذه الجملة المتناقضة كل خمس سنوات تقريبا، كنت و مازلت و لا أزال أطبقها بحذافيرها، لكنني لم أجد ولا مرة أثرا لتلك الأصوات التي كنت أدلي بها، و أمثال تفكيري كثيرون، لأنني أعلم أنني لم انتخب ولا مرة عن حزب التجمع الوطني الديمقراطي و لا عن حزب جبهة التحرير الوطني التي أعطاها جدي عهدا أن تبقى الحامي الوحيد عن الجزائر إبان ثورة التحرير المباركة.

أظنني وجدت لها تفسيرا و حلا يليق بجمال تناقضها: من حق السلطة تزوير الانتخاب فهذا معنى ‘حق’ و من واجب الشعب الانتخاب و هذا معنى ‘واجب’، و الانتخاب معناه أن يختار الشعب الأقربون فالأقربون فالأقربون، و لأنني وجدت في الصحيحين’ الاقربون أولى بالمعروف’.

هذا المعنى لم يتوصل إليه الكثيرون، ببساطة ظنوا انه يوجد في كتب التفسير فلا حاجة لهم في الاجتهاد و تفسير المفسر.

ملكت السلطة كلمة ‘حق’ و ملك الشعب كلمة ‘واجب’، غير أن الحكومة زورت معنى هذه الكلمة إلى ما يليق بجلالتها، و من شب على شيء شاب عليه، فالسلطة شبت على التزوير منذ نشأتها’ و شهد شهود من أهلها’، فالمعنى الحقيقي لكلمة حق: هي حق المواطن في المشاركة في الانتخابات، و حقه في اختيار من يمثله، و الواجب بل الأوجب أن يساهم في استمرارية هذه العملية الديموقراطية نظريا.

الآن و بعد ستة عقود تقريبا من استقلال الجزائر تقريبا حان وقت تزوير هذا المعنى مرة أخرى لينقلب الى ضده، لينقلب الى المعنى الحقيقي و الأصيل الذي طالما انتظره شباب الاستقلال و جيل الثورة، ليختار الشعب حقا من يمثله و تكون السيادة له من جديد بعدما كان يتيم الشرعية و السيادة، لكن كيف…؟ كيف الوصول الى ذلك؟

لا شك أن الجواب تجده مترامي الأطراف كالصحراء الجزائرية في جزائرها، لخصت من الجواب و اختصرت فيه كثيرا، حرفت بعض العبارات و المفردات، و مسحت بعضها الآخر، ثم في الأخير قررت أن أمسح كل الجواب و أترك كلمة واحدة أظنها ذات معنى: الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: