مقالات رأي

هل ستكون هناك بكالوريا إستثنائية أخرى ؟

صدق بعضٌ من استشرافنا لمّا أقررنا في مقال سابق قبل موعد بدء الإمتحان أنّ هذه البكالوريا فيها من المذموم ما فيها و لا يجب إعتبارها قرارا كاملَ الصوابية و الإسراع في التنبؤ مسبقا بنجاحها لا تنظيميا و إداريا بل تحصيليا و إحصائيا ، مراكزُ إمتحان خاوية من الممتحين و أساتذة جُندوا على مضض لتأطير و حراسة طاولات و كراسي شاغرة ! ، و لكن السؤال الذي يأبى أن يفارق مفكرتي : أين تلك الأطراف التي جهرت طيلة أيام إجراء البكالوريا العادية و بعدها بضرورة إنصاف أولئك المقصيين و منحهم فرصة أخرى لأسباب إعتبروها منطقية و مقنعة كالتأخر بدقيقة أو دقيقتين ، اليوم و بعد مسلسلِ غيابٍ متعمد كان أبطاله أولئك التلاميذ المنددين بالإقصاء الظالم و غير المعقول في الدورة الأولى ، لست أدري إن كان هذا الإنصياع وراء هؤلاء التلاميذ العابثين _لا نعمم هاهنا_ كان من باب التعاطف معهم أم من باب إستثمار وضعهم التربوي و التعليمي على شكل وجبات إعلامية دسمة سواءا الإعلام المسموع أو المكتوب ، كما لا ننسى ونصر عل معاتبة بعض الأطراف السياسية مِن مَن إستغلت هذه المسألة لممارسة ضغطها السياسي على أطرافٍ معارضة لها في إطار السباق السياسي المُقام على الساحة الوطنية الجامعة ضاربة بذلك حرمة إستغلال بعض الشؤون الإجتماعية الحساسة عرض الحائط و جاعلة التلميذ أداة للإبتزاز و المزايدة السياسية يُرَام منه تحقيق مصالح شخصية ولا نتَزَيَّد إن ألبسنا هذه المصالح لحاف الأيديولوجيا السياسية .

و من باب التحوّط و ضمان السلم الأهلي استجابت الحكومة لتلك المطالب القاضية بإعادة البكالوريا و لم يخفى عليها في نظرنا حقيقة أن هذه الدورة الإستثنائية لن تكون ناجحة مقارنة مع حجم الموارد المالية و البشرية المجندة في سبيل إنجاحها و مع ذلك فضلت الحكومة لا نقول المغامرة و إنّما من باب الضرورة الملحة إجراءها لإعتبارات إجتماعية و سياسية لا تخفى على متتبعٍ متمحص للشأن العام في البلاد و ما شهده هذا الأخير من تطورات و مستجدات على شتى الأصعدة و عليه فالحكومة ليست هي من تتحمل هذه المهزلة التربوية بقدر ما تتحملها تلك الجهات التي ما فتأت تُصر و تؤكد على أحقية المتأخرين المظلومين بإعادة بكالوريا أخرى تكفل لهم حقوقهم التربوية ! ، لم أكن أعلم أن للمتأخر عن إمتحان مصيري كالبكالوريا حقوقٌ تربوية ! إنها و ببساطة غوغاء و إستمالة إعلامية لأفراد المجتمع المدني و استعطافهم خاصة لما يتعلق الأمر بفلذات الأكباد ألا و هم الأبناء .

كذلك و مما تكرسه هذه البكالوريا الإستثانية شعبوية من من يطلقون على أنفسهم أفراد النخبة في المجتمع ، بينت هذه البكالوريا معدن تفكيرهم المحدود و ضمور إستشرافاتهم عند أول حاجر واقعي و بينت كذلك جوانب الإستغلالية و الإنتهازية لديهم و بيِّنة أنهم لا يغلبون المصلحة العامة على الخاصة و يركبون ركب الراكبين و يخوضون خوض الخائضين كلما تجلت لهم أنصاف لا بل أرباع الفرص .

الأمر الذي غض كثيرون الطرف عنه لا ندري إن كان سهوا منهم أم تعمدا يكمن في هذا التساؤل : هل سيتكرر مطلب إعادة بكالوريا إستثنائية مرة أخرى كلما تأخر رهط من التلاميذ بغض النظر عن أسباب تأخرهم ؟ ، إن اقتنعت بعض الأطراف بعدم جدوى الإنجرار وراء لغط كهذا فإن هناك أطرافا أخرى و ما أكثرها ستستثمر في هذه الثغرة بالتحديد كل عام و ستستثمرها كما سلف القول لتحقيق مآرب و إمتيازات خاصة و لن يكون التلميذ غايتها الأسمى كما تدعي بل سيكون مجرد أداة يُضمرونها في جعبهم مشهرين إيّاها كلما إرتأو ضرورة ذلك .

لا ألقي اللّوم على التلميذ أو أوليائه بقدر ما ألقيه على جحافل النخب الثقافية و السياسية في البلاد و التي لم تتعامل مع الأمر تعاملا عقلانيا يحفظ للبكالوريا الجزائرية قليلَ الهيبة التي احتفظت بها لنفسها بعد مقاومة سيل جارف من التحديات و المعضلات طيلة السنوات الأخيرة الخالية ، هذه النخب الثقافية لم تُبصر بعيدا و اكتفت كما يقول المثال العامي بالنظر إلى مستوى أنفها فقط ، لو تكاثفت هذه النخب الثقافية و السياسية في سبيل إرساء و ترسيخ ثقافة الصرامة و إلتزام القوانين و الإجراءات التربوية إلتزاما قانونيا في ذهن عامة المجتمع المدني لمّا اضطررنا لإعادة بكالوريا إستثنائية تسببت في إلباس التلميذ ثوب الإستغوال و المَلَكِية و التّسلطن فهو لن يتوانى مرة أخرى في التأخر تعمدا و ليس عن غير قصد و لن يدخر جهدا في المطالبة ببكالوريات إستثنائية أخرى ، و لا عجب إن تأخر في بكالوريا إستثنائية أخرى فطالب بأُسٍ إستثاني يرفع به ما تبقى من حروف كلمة بكالوريا !!

إنّ مد اللسان لهثا وراء إثارة موضوع يعني الشأن العام و المطالبة بمطالب غير مدروسة على الأفق البعيد هو قمة العبث و اللامبالاة فلا يجرمنّنا شنآن ما قد نتأتاه من جرّاء عبثنا هذا و الفرصة ما تزال سانحة لأخذ الدروس و ضرورة العمل بها في تجارب مستقبلية و ما البكالوريا الإستثنائية هذه إلا درس واحد من بين عديد الدروس التي ذكرنا .

younesbelkham

يونس بلخام طالب جامعي عشريني تخصص مالية و محاسبة ، مهتم بالشؤون السياسية و الإجتماعية المحلية و الدولية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: