مقالات رأي

هل ضاعت خُطب الرسول ؟

لماذا لا نجد في كتب التراث على كثرتها وخاصة الصّحاح منها خطب النبي صلى الله عليه وسلم والتي تعد بالمئات؟ هل ضاعت ؟ وإن ضاعت فمن المسؤول عن ضياعها الرواة أم المؤرخون ؟

هذه هي الأسئلة التي دارت مؤخرا على ألسنة بعض مدّعي التنوير والمنادين بتنقية كتب التراث، وهي وإن كانت تبدو للوهلة الأولى أنها أسئلة تندرج تحت خانة التساؤل العقلاني المعرفي المشروع إلا أنه ومع التعمق فيها نجد أنها تحمل الكثير من التشكيك في مصادر السنة وتكيل الكثير من التهم الجاهزة للرواة نقلة الحديث وللمؤرخين جامعي التراث !

وهذا بعض الجواب موجزا من غير تفصيل مختصرا من غير إطناب، وهو ليس دفاعا عن الرواة وأئمة الحديث إذ ليسوا مذنبين ليحتاجوا لمحام ، وما كان لمثلي أن يدافع عن مثلهم .. أولئك آبائي فجئني بمثلهم *** إذا جمعتنا يا جرير المجامع

ولكنه شيء من الإنصاف في زمن كثر فيه التقليد من غير بيّنة والصيّاح مع كل ناعق حتى صار الإنصاف عزيزا ، ولكن قبل ذلك لا بد من توطئة هي من الأهمية بمكان :

لقد تصدى الكثير من المحدثين والمؤرخين والنقاد لجمع وانتقاء الخطب النبوية عكس ما يُشاع من أنها لم تلقى العناية الكاملة كما الأحاديث ، فأفردوا للخطب المصطفوية مصنفات خاصة ناهزت الثلاثين مصنفا حوت في مجملها أكثر من خمسمائة خطبة نذكر من هذه الكتب على سبيل الذكر لا الحصر :

“خُطب النبي صلى الله عليه وسلم” لعلي بن محمد المدائني (ت 224 هـ) وكان أول من أفرد الخطب المحمدية في مصنف واحد ثم تلاه :
أبو نُعيم الأصبهاني “خُطب النبي صلى الله عليه وسلم”
أبو العباس الإربلي الشافعي “خُطب الرسول صلى الله عليه وسلم”
علي القاري الحنفي “موعظة الحبيب وتحفة الخطيب”
محمد علي أكرم الآروي “الخُطب المصطفوية”
أشرف علي التهانوي “الخُطب المأثورة”
محمد بن خليل الخطيب “إتحاف الأنام بخُطب رسول الإسلام”

وغير هؤلاء كثير ، وقد قال صاحب “إتحاف الأنام” في مقدمة كتابه : “فجمعتها في سنين عديدة … وعقّبت كل خطبة بمراجعها أو بعضها ليرجع إليها الراغبون، وخرّجتها وذكرت درجتها ليطمئنّ المحدّثون ،وكم قرأت في سبيلها من كتب في التاريخ والسيرة واللغة والأدب … ” .

كأني بك تقول : فما بالها متفاوتة بين القصر والطول وبعضها قصيرة شديدة القصر ؟
فجواب ذلك من وجهين :

أولا :أنه كان صلى الله عليه وسلم يقصر الخطبة ويحث على تقصيرها ففي الحديث : ” .. فأطيلوا الصلاة، واقصروا الخطبة، وإن من البيان سحراً” ، فمحاولة إسقاط حال خطب اليوم مع خطبه عليه الصلاة والسلام هو إسقاط باطل لا يصحّ ، لأنه كان يقتصر على أقل الكلام الذي يوصل المعنى المطلوب، ويأتي بالكلام الذي يجمع كل ما يريد قوله؛ حيث قد أوتي جوامع الكلم وقد قالت أمنّا عائشة حاكية عنه : “لم يكن يسرد الحديث كسردكم”

ثانيا : أنه كان صلى الله عليه وسلم يكثر من قراءة القرآن في الخطبة بل إن من كثرة ما كان يقرأ القرآن في الخطبة حفظ بعض الصحابة سوراً من القرآن فعن عمرة بنت عبد الرحمن عن أخت لعمرة قالت: “أخذت{ق وَالْقُرْآنِ
الْمَجِيدِ} من فيِّ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يوم الجمعة، وهو يقرأ بها على المنبر في كل جمعة”

فإن قلت : لكن لماذا لم تُذكر هذه الخطب في الصحيحين ؟

قلت :

أن بلى قد رويت الكثير من خطبه في الصحيحين وغير الصحيحين من السنن والمسانيد وهي مبثوثة في مواضعها من كتب السنة بعضها كامل وبعضها مجتزء بحسب الباب ومدلوله وحكمه وبحسب المناسبة التي اقتضت منه رواية حديث من رأى ومن سمع وقد جاءت بصيغ متفاوتة متقاربة كـ خطبنا النبي ، صعد النبي يوما إلى المنبر فقال .. إلى غير ذلك من الألفاظ الدالة على الموضع الذي قيلت فيه .

فإن زدت : لكن هذه أحاديث وليست خطب ؟

زدتك : أن الحديث عند المحدثين معناه كل أقوال النبي صلى الله عليه وسلم على خلاف السنة التي هي جامعة لكل أقواله وأفعاله وأحواله وتقريراته ، فلا فرق بين الحديث والخطبة إلا المكان الذي قيلت فيه فالصحابة قد نقلوا إلينا كل ما تلقوه عن النبي وكل مشاهداتهم اليومية مما يستفاد من حكمه ، سواء أقيلت هذه الأحاديث في السوق أو من فوق المنبر سواء بسواء ،إلا إن كنت تنتظر إخطارا من الراوي بتوقيت الحديث وتاريخه والمكان الذي قيل فيه بالضبط ،وحفظ كل ما يخرج على لسانه عليه الصلاة والسلام من خطب من ألفها إلى يائها ومن استفتاحها إلى اختتامها وهذه مطالبة متكلفة متعنتة تفوق حد الطاقة البشرية .

فتحصيل الحاصل أنّ الخطب النبوية لم تضِع بل هي محفوظة في كتب التراث التي أكاد أجزم أن المتشدق اليوم بمقولة تنقية التراث والقائل بضياع الخطب النبوية لم يحمل يوما بين يديه كتابا من كتب التاريخ والسير والتراجم ولا عالجها ولا قلّبت أنامله أوراقها .. وإلا كيف الجزم بما ادّعى ؟ وكيف يهرف بما لا يعرف ؟

أما عن الرواة من الصحابة ومن تبعهم بإحسان ممّن نقلوا الحديث والسنة فلم يقصّروا عن التبيلغ بل حاشاهم أن يفعلوا و هل مثلهم يكتم علما والرجل منهم يمشي مسافة ما بين المشرق والمغرب من أجل سماع حديث واحد أو التحديث به وتبليغه !

فأطلق عقلك من عقال التبعيّة المقيتة واربأ بنفسك ولا تكن إمعة ناعقا ليس له من الأمر إلا اجترار الكلام و الترديد فالأمر بالتتبع والتمعن لا بالتخمين والتقوّل . . والله المستعان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: